العزل في زمن كورونا يعمق معاناة الليبيين
طرابلس - يفاقم فيروس كورونا المستجد الذي يفرض العزل على أكثر من نصف سكان العالم، محنة الليبيين في زمن الاضطرابات الأمنية التي تعيشها بلدهم منذ نحو عقد من الزمن.
استقل حسن سيارته ليملأ زجاجات المياه متحديا التدابير التي أمرت بها السلطات في طرابلس للحد من تفشي وباء كوفيد-19، فيما تدوي من بعيد في العاصمة الليبية أصوات نيران المدفعية، لتذكّر بخطر آخر.
وأصدرت حكومة الوفاق الوطني هذا الأسبوع قرار "الحظر التام" لمدة عشرة أيام في المناطق الخاضعة لسيطرتها في غرب البلاد، لمواجهة مخاطر تفشي الفيروس.
ويسمح للمواطنين التنقل سيرا على الأقدام فقط من السابعة صباحا (05.00 ت غ) وحتى الثانية عشرة ظهرا بالتوقيت المحلي (10.00 ت غ)، للتسوق.
ويقول حسن بينما يضع زجاجاته في صندوق سيارته، "آلام ظهري لا تسمح لي أن أحمل المياه من الجامع إلى البيت سيرا على الأقدام، ليس لدى خيار آخر إلا الخروج بالسيارة".
ويوضح الرجل الخمسيني أن منزله يبعد 500 متر عن مسجد الحي الذي يحتوي على بئر ماء.
وقطعت مجموعة مسلحة إمدادات المياه القادمة من طبقات المياه الجوفية في الصحراء الواقعة في الجنوب الذي تسيطر عليه قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الرجل القوي في الشرق الليبية. ويقود حفتر من أبريل/نيسان 2019 عملية عسكرية لتحرير العاصمة طرابلس من سيطرة الميليشيات المسلحة التابع لحكومة الوفاق.
ويحجم العديد من سكان طرابلس المستاؤون من الحرب ونقص المواد الأساسية، عن الالتزام بتدابير العزل التي اتخذتها حكومة الوفاق الوطني والسارية منذ اليوم الجمعة. وسجلت الحكومة في طرابلس حالة وفاة و49 إصابة بالفيروس.
طوابير انتظار
ولم تعد شوارع العاصمة تشهد الاختناقات المرورية المعتادة، لكن تشاهد سيارات تمر فيها، لاسيما في الضواحي حيث يندر وجود الشرطة لضمان تطبيق تدابير الاحتواء.
ويقول عبدالعليم سيد العابد الذي قرر أيضًا أن يستقل سيارته، إن "المحلات بعيدة عن بيتنا ولا يوجد شيء بالقرب من هنا، إلا المخبز الذي يبعد نصف كيلومتر تقريبا، حيث من المستحيل الذهاب سيرا على الأقدام لشراء الماء والحليب أو لاستبدال أسطوانة الغاز".
ولا يملك عدد كبير من الليبيين الإمكانيات المتوفرة لتأمين المواد الغذائية الأساسية، وتسببت تدابير العزل مع السماح ببضع ساعات فقط للتسوق، بطوابير أمام المحلات التجارية لا تساعد في احتواء انتشار الفيروس.
ويهدد فيروس كورونا الليبيين في ظل هشاشة القطاع الصحي المتضرر بسبب الاضطرابات الأمنية والسياسية ما تسبب في نقص كبير في المستلزمات الطبية خاصة الوقائية كالكمامات.
في جنزور شرق العاصمة، ينتظر أكثر من مئة شخص بينهم أطفال خارج المخبز الوحيد في الحي.
ويجهد صاحب المخبز جمال النفاثي لفرض إجراءات التباعد الاجتماعي، فيما لم يضع الزبائن كمامات واقية.
ويقول "نأتي في وقت مبكر لتجهيز كميات ضخمة خلال ساعات قليلة فقط، ونظرا للظروف الأمنية غادر أربعة عمال ولم يبق سوى ثلاثة حاليا"، مضيفا "نواجه صعوبات ونأمل تمديد وقت عملنا لكي نخفف الضغط على عمالنا".
غرامات متوقعة
وإذ ينظر معظم الناس إلى العزل على أنه قيد ومحنة إضافية في زمن الحرب، لكنه يعتبر نعمة بالنسبة لآخرين أوفر حظا يجدون فيه فرصة لاستنشاق الهواء، بعيدًا عن الاختناقات المرورية ومضايقات السائقين.
وارتدت حلومة وهي مدرسة متقاعدة، أخيرا حذائها الرياضي الذي "اشتريته منذ سنوات ولم أستعمله أبدا".
وقالت السيدة الستينية التي خرجت بصحبة ابنها لعدم إحساسها "بالأمان"، بأنها انتهزت فرصة العزل "للمشي في الحي بما انه لا يوجد سيارات، إذا من النادر جدا بالنسبة لنا أن تكون الطرق فارغة هكذا".
وخرجت كذلك إلى الشارع أربع شابات يرتدين بزات رياضية ملونة.
وقالت إحداهن "من النادر أن نخرج سيرا على الأقدام حتى لشراء بعض الأشياء البسيطة من الدكان القريب في الحي".
وقالت صديقتها "الجانب الايجابي بالنسبة للحظر هو أننا كفتيات نستطيع أخيرا الخروج للمشي بمفردنا دون القلق من مضايقات ومعاكسات الشباب لنا". في الوقت ذاته، يسمع صوت بوق سيارة تمر في المكان، ما يوحي أن المضايقات لم تختف تماما.
وذكّرت وزارة الصحة في حكومة الوفاق الوطني المواطنين السبت بالقواعد الواجب اتباعها، محذرة من أن الغرامات ستفرض على المخالفين، وفي إشارة إلى عدم وجود التزام كاف بإجراءات الوقاية.