قذيفة واحدة تكفي؟!
عندما أُطِلُ من النافذة الباردة على إطلالة خضراء نبتت في ليل مباغت، أُدركُ أن هذا الصباح يشبه كل الصباحات التي سبقته هنا في منفى لازلت حائراً في توصيفه ....هل هو قسري أم اختياري؟؟!! ... لا أدري ربما الاثنان معاً يتماهيان ليلقيا بي في بلاد كل ما فيها هادىء ومباغت كأنه دُبِرَ بِليلْ ... حتى الجمال يباغتك ويدهشك لفترة قصيرة قبل أن تتسربل منكفئاً لعزلتك من جديد .
الطبيعة تملك ناصية المفاجأة، تغفو الأشجار عارية وتستيقظ لتجدها قد أزهرت، فتخسر أنت طقوس تربية الأمل ورعايته لينمو لعل وعسى .
أصنع قهوتي بهدوء... لاشيء يحرك في هذا الصمت ساكناً ربما هي نفس الصباحات تتراكم في أيامي بلا ملامح وتستقر مرارة في قعر فنجان قهوتي.... العدسة ...والكاميرا على الطاولة ..فيروز تغني "شو بيبقى من الرواية"... بالفعل لم يبقى شيء من الرواية يا صديقتي انتهت الحكاية وباتت التفاصيل التي كَوَنَتّها سطوراً في اجندة الشيطان .
بعد وصولي لهذه البلاد بشهور سألني صديق معتّق في بلاد الغربة : "كيف تقضي يومك؟" ،فشرحت له طقوس الصباح مع القهوة وفيروز والتدخين، فابتسم ساخراً وقال "لم تتأقلم بعد !!! "
وبالفعل ففي هذا الصباح كما كل الصباحات المتراكمة يتملكني نفس الهاجس الذي يهاجمني كل يوم... هاجس أن تتحدث العدسة من جديد .. أن تتسارع حركة الكاميرا من جديد، ويعود الشغف معلقاً على كتفٍ وقلقاً في عدسةٍ يكاد يصيبها الرمد ....
قذيفة واحدة كانت كافية لتلتهم بحقدها كل تاريخ العيون بفرحها ودمعها وقلقها وترقبها .. أصاب الدمار كل شيء في الاستوديو الذي كنت أملكه، الصور المطبوعة على الورق احترقت... الذاكرة الالكترونية تبعثرت مع تنثار أجهزة الكمبيوتر... إذاً لا صور ... لا ذاكرة ... كأنك ضغطت بلحظة على زر لمسح كل الذاكرة، لكن هنا أحدهم ضغط على زناد الحقد فانطلق الحاضر بكل الفانتازيا التي يحملها ليقضي على الماضي بكل تناقضاته المحببة ....
لم يبقَ شيء فقط كاميرا وعدسة وفلاش وحدس لا يشيخ ولا يهرم وشغف يبحث عَمّن يحرضه من جديد .
محطة القطار التي أُطِل عليها من نافذتي الباردة تثير كل صباح في نفسي الحنين لعربة ما تهدهدني بيسر وسلاسة إلى أن توقظني عصافير تلك البلاد البعيدة، وتعود المحطة لتبعث في روحي الوحشة والخوف كل مساء، فأكثر الأماكن صخباً وحياةً وضجيجاً في النهار هي أيضاً أكثرها وحشةً وفراغاً وريبةً في الليل، لكن نظراتي التي ترمق الكاميرا أشعر أنها مختلفة هذا الصباح ... ربما حان الوقت لذاكرة جديدة تعيد سيرة الشغف من جديد... أتأبط الشغف وأهرع نحو تفاصيل مدينة المنفى هذه .. تتسارع حركة العدسة لتقبض على أنفاس الحدس من جديد ....
مهاجرون يستعجلون الخطو نحو مدارس تعلم اللغة الجديدة.... متقاعدون يرممون فراغهم بحكايات لا تُسّلي ولا تفيد إلا بهزم عقارب الزمن البطيئة في أيامهم المتشابهة.... شباب وصبايا يهرعون نحو مستقبلهم يرسمونه هنا في بلاد تستوعب جموح أحلامهم وقطيعتهم مع ما مضى في بلادٍ يتضاءل فيها كل شيء كساعةٍ رملية تنقص حبة حبة، وغباراً إثر غبار ....
تتراكم اللحظات في عدستي وذاكرتها التي تتشكل شَغفاً بملامح جديدة لاتشبه الروح التي ثُقِبتْ كالجدار الذي ثقبته القذيفة، كل الصور ملونة، كل الذاكرة الجديدة ملونة، كل البريق في تلك الصور الملونة بالابيض والاسود ربما لانها بريئة أكثر ... بسيطة أكثر ... عفوية أكثر ....
أعود لنافذتي ومحطة القطار وبقايا قهوة جافة في قعر الفنجان، وذاكرة جديدة تمتلىء ربما تقتل تساؤلاتي العبثية عن القذائف و الذاكرة، لكنني على يقين أن :
قذيفة واحدة تكفي.... ذاكرة واحدة لا تكفي .