ندى الحاج : يمكن للشاعر غير المتعمّق في الفلسفة أن يكون صاحب نظرة فلسفية

الشاعرة تتحدث عن تجربتها الشعرية وتواصلها مع الفكر الصوفي ونظرتها للحب وتأثير البيئة على تكوينها الأدبي.

إذا كان الشعر برأي "بول فاليري" رقصةً، فما تكتبهُ الشاعرة ندى الحاج أقرب إلى رقصة صوفية مُتناغمة مع إيقاعات الطبيعة وهي تستكشفُ من خلال الشعر هواجس الذات قبل أنْ تنطلقَ نحو فضاء أرحب، متأملةً ظواهر وجودية مُغلفة بالغموض، وتنضحُ لغة صاحبة "كل هذا الحب" الشفيفة  برؤى معبرة عن التوق للحلول في أبجدية الكون المُتجلية بتحولات الفصول. 
تتميزُ صياغة الجملة الشعرية في ديوانها الأخير "عابرُ الدهشة" بالرشاقة والانسيابية والجذالة في سبك المقولات الوامضة. 
لا يوجدُ حائطٌ فاصلٌ بين مغامرة الحاج الشعرية وتجربتها الحياتية، إذ تفتحتْ مداركها في بيئة متشربةٍ برغبةٍ جامحة لخلق لغة داخل اللغة وتلاوة مفردات جديدة في سِفر الروح. 
وفي حوار أجراه معها كه يلان محمد، قالت ندى الحاج، أنا أكتب إذاً أنا موجودة. وما أكتبه هو الشعر الذي يحدد ماهيتي ومنها تتشعب كافة الاهتمامات. 
وأضافت أنها حين بدأت الكتابة في الطفولة لم تع أنها ستصبح شاعرة، لتدرك أن ذلك هو مسارها وأن تلك هي هويتها.
وعن الترجمة في مجال المسرح فقالت إنها كانت مرحلة في مسارها المهني والحياتي، مشيرة إلى أنها ترعرعت في جو المسرح، حين كانت ترافق والدتها منذ الطفولة إلى مدرسة المسرح الحديث للمخرج منير أبو دبس، وتحضر التدريبات لعروض المسرحيات بأداء ممثلين محترفين لشخصيات من المسرحيات الكلاسيكية بلغة مترجمة إلى العربية الفصحى. 
ثم خاضت تجربة التمثيل المسرحي بموازاة الكتابة الشعرية وقبل تكرُّسها الكامل للشعر وممارسة الصحافة الثقافية. 

الشعر ليس مهنة وهو استعداد بالموهبة والمزاج، وصقل بالممارسة والتجربة الحية والقراءة والنهل الثقافي 

وبالنسبة للموسيقى والغناء، فقالت إنها تجربة عاشتها لأول مرة من خلال اختيار ماجدة الرومي قصيدتين من كتابين لها، من تلحين جوزيف خليفة وأدائها الرائع. أما التجربة الموسيقية الأطول في مسارها فكانت مع المؤلفة الموسيقية السوبرانو هبة القواس، التي لحنت وغنت قصائد كثيرة من شعرها أدتها على أهم المسارح والدُور الأوبرالية العالمية في العالمين العربي والغربي بمرافقة أوركسترات سمفونية عريقة.
وأوضحت الحاج أنها لا تكتب الشعر من منطلق أناني وإنما من منطلق وجودي حيوي وأنها لا تفهم حياتها إلا من هذا البُعد، وما الكلمات سوى مفاتيحها التي بها تكتشف وتكشف. 
وردا على سؤال هل الشعر مزاج أو مهنة وماذا يعنى لها كونها شاعرة، أجابت الحاج أن ليس الشعر مهنة بالتأكيد وهو استعداد بالموهبة والمزاج، وصقل بالممارسة والتجربة الحية والقراءة والنهل الثقافي من منابع الجمال كافة، مضيفة أن للبيئة دورها الفاعل في تغذية كون الإنسان شاعرا.
وبالنسبة لها، إما أن يكون شاعراً منذ البدء أو لا يكون فلا يصبح المرء شاعراً بالإرادة. والشعر في نظرها لا يقتصر على فعل الكتابة، بل يتعداه بكيفية رؤية الحياة والتعامل معها ومع كائناتها ومكنوناتها وما تكتنفه من أسرار ومعطيات ومكتشَفات. وهو "يتخطى اللغة الكتابية الشعرية ليغطي كافة الإبداعات الفنية من موسيقى وغناء وفنون تشكيلية وبصرية وسينمائية ومسرحية".
وعن تقاطع الشعر مع الفلسفة، قالت إنهما يتكاملان، ويمكن للشاعر غير المتعمّق في الفلسفة أن يكون صاحب نظرة فلسفية، تُكوِّن شخصيته وينسجها على امتداد مساره الحياتي والشعري. 
فالفلسفة في نظرها هي رؤية والشعر نفَس هذه الرؤية، مشيرة إلى أن الفلسفة توسِّع الآفاق والشعر يحلِّق فيها. 
وشددت على أن الفلسفة تشمل غنى فكر الإنسانية المتطور عبْر التاريخ منذ تكوين الإنسان وطرحه الأسئلة الوجودية الكبرى، والشعر هو كتابة الذات جاليةً الرؤيا، انطلاقاً من الأنا الذائبة في الكل. 
وأوضحت أن الفلسفة بمختلف تياراتها المتعاقبة وبحثها الدؤوب إنْ حاولت إيجاد الأجوبة، فالشعر لا يطرح الأجوبة بل يكتفي بأن يكون هو القلب الحامل للفكر.

كلما اتسعت رؤية الشاعر حتى من خلال تعبيره عن أدق حميميات عالمه الداخلي، اكتسب شعره فرادة مضمونا وأسلوبا

وأعلنت تأييدها لقول الفيلسوف الألماني هايدغر "الشعر هو في المعنى الحرفي للكلمة أساس الكينونة، والشاعر هو راعي الوجود وحامي بيته واللغة هي بيت الكينونة حيث في حماها يسكن الإنسان، والمفكرون والشعراء هم من يسهرون على هذا الملاذ".
لذا تتخذ الفلسفة منحى التفكير في شعرية الوجود ويسير الفكر نحو القصيدة ويسكنُ الإنسانُ العالمَ شعرياً.
وتحديدا لرهانات الشعر ومصادره تفرده، قالت الحاج إنه لا وظيفة للشعر بالنسبة لها سوى أن يكون ذاته، ويتواصل مع جوهرها وجوهر الكون وما يكتنفهما ويقدِّم رؤيته ببصمته الخاصة. 
وأضافت أن فهْم الوجود يبدأ من فهْم الذات ومنها التواصل مع الذوات الأخرى والعناصر الكونية، وبالتالي رؤية جميع الأمور المحيطة بنا بأبعاد مختلفة، من ماهية الوجود إلى صيرورته التاريخية مروراً بجمالياته ومآسيه المتعاقبة.
وأوضحت أنه كلما اتسعت رؤية الشاعر حتى من خلال تعبيره عن أدق حميميات عالمه الداخلي، اكتسب شعره فرادةً مضموناً وأسلوباً، فيتزامن المعنى والمبنى دون انفصام ليعكسا تجربة الشاعر النابضة والمتطورة في سعيها وتوقها.
واستخلصت أن "وظيفة" الشعر لا تكمن في أن تذكرِّ بالهوة بين الواقع المَعيش والحلم الذي لم يتحقق بعد، بل أن يكون الشعر هو الحلم - الواقع الذي يتسع لأحلامه المنشودة التي يؤمن بها، وتُكوِّن إنسانيتَه بعمق أمدائها وتَنوُّع درجات ألوانها. 
وافترضت إن كان ثمة رهان للشاعر على التغيير، فهو عن طريق النقاء والصدق في إطلاق صرخته المدوية بوجه العالم المرائي والظالم والقاسي وأن يعيش بجرأة ما يكتبه، لربما يلقِّح الواقع بجنون أحلامه الصافية.
وعن المفردات المعبرة عن الوجد الصوفي ونشدان الحب والتوق إلى الطبيعة، وما إذا كان هذا الاتجاه في الكتابة يُمثلُ هويتها الإبداعية، أكدت الحاج أن المفردات هي المرايا التي تعكس ما يختلج في وجدانها وفكرها ورؤيتها ورؤاها وما تصبو وتتوق إليه. 
وأردفت قائلة إن الجو الصوفي الذي يغلِّف شعرها منذ القصيدة الأولى في كتابي الأول "صلاة في الريح" حتى اليوم، لم يكن متعمَّدا، موضحة أنها وقتها كانت لم تطَّلع بعد على تجارب المتصوفة وكتاباتهم ومعاجمها، إنما تبعت مسارها الداخلي الذي قادها إلى ما هي عليه والذي لا تزال تتبعه على هدى القلب في حال اكتشافٍ دائم. 
وقالت "الحب هو سر الحياة الذي من أجله نحيا ونسعى ونفهم ونرى ما يُرى وما لا يُرى ونرتجي... والطبيعة تكتنف كل هذه الأسرار التي نستشفُّها حين نصغي".

الحب لا تحدده فقط العلاقة الأفقية بين كائنين متحابين بل يشمل كافة الأبعاد الممكنة التي يتبادلها الإنسان بعلاقاته مع من يحب أو مع الله

وعن مصدر الحكمة بالنسبة إليها  إن كان فرحا أم حزنا، قالت إن "الحكمة تصقل المرء في أتون الحياة وتحوِّل معادنه إلى ذهب، فتصير أحزانه مصدر قوة وأفراحُه أريجاً ينتشي به الآخرون ومخاوفُه حوافزَ للتخطي والرحمة، وآفاقُه الضيقة بحاراً لا شواطئ لها، وحياته إبحاراً وتحليقاً. وإن وطأت قدماه التراب، يحرص على أن لا يدوس النملة والزهرة، بل يرفق بكل كائنات الكون... هكذا أرى الحب وأعيشه وأكتبه".
وتطرقت الحاج إلى هاجس الإقامة في العالم شعرياً فوصفته بأنه هو واقعٌ تتعايش معه، حيث إنها تعيش كما تكتب وتكتب ما يسكننها ويؤرقها ويفتنها ويراودها، وهو ما تؤمن به وتستشفه في أحلامها وتتوق إليه من حب ووجْد وسعي. 
وأشارت إلى أن الغربة التي يشعر بها الشاعر تنسج وعيه وتسهر على تحولاته من خلال الطاقات التي يطل بها على العالم في تطوافه وعبوره.  
وتطرقت إلى البعد الروحي الذي يكتنف شعرها منذ البداية، مبرزة أنه تبلور في كتابها الأخير "عابرُ الدهشة"، بتزامنٍ مع تجربة عميقة شهدت معها على ولادة جديدة، عكستْ هذا البعد الروحي تلقائياً، وانكشفت أمامها مفردات تنضح بحالة عاشتها بكل تموجاتها، وقالت إنها مفردات لم تبحث عنها بل وجدَتْها بانسيابية وكتبَتْها. 
وتحدثت عن نضْج التجربة الذي ترى أنه يضيء دوماً الجوانب الكامنة في الإنسان. والشعر يحاول التقاط اللحظات المتوهجة ويقطّرها كماء الورد في شذرات، وقد انصهرت كثافة اللحظة ورهافتها من قلب التجربة وفضائها، لتعْبرَ الدهشة.
 ونفت الحاج أي علاقة لليقين بعبارتها "لا تحب إلا مِن أجل الحب" الواردة  في إحدى قصائد "عابرُ الدهشة"، موضحة أنه فيض الحب بجوهره وصفائه والذي من أجله خُلقنا ولأجله نحيا، مع كل المشقات والخيبات التي قد تعترض سبلنا في عيشه وسعينا إليه. 
وأضافت أن الحب هو النبع الذي لا ينضب والمحيط الذي لا نهاية له، مستدركة أنها ربما نظرة مثالية للحب ولكن هكذا تفهمه وتحسه، حتى لو بدا أقرب إلى المستحيل منه إلى الممكن، وهو الحب الذي لا يَمتلك ولا يُمتلك ويتخطى الزمان والمكان لأنه ملتصق بجوهر الوجود. 
وأوضحت أن الحب لا تحدده فقط العلاقة الأفقية بين كائنين متحابين، بل يشمل كافة الأبعاد الممكنة التي يتبادلها الإنسان بعلاقاته مع من يحب أو مع الله. 
واستشهدت في الأخير بما كتبته في كتابها "تحت المطر الأزرق": "نحنُ كائنات من حب وكل ذرة تنقصنا منه تقذفنا إلى العدم".