البحث عن الفردوس في روايتين
ما إن انتهيت من قراءة الرواية القصيرة "بذرة تفاحة آدم" الصادرة مؤخرًا (2022) للكاتب الشاب محمد عبداللطيف، حتى استدعت ذاكرتي رواية "الدين والعلم والمال"؛ التي تعد من بواكير الروايات العربية، فقد نشرت للمرة الأولى عام 1903، لكاتبها الصحفي والروائي فرح أنطون. فعلى الرغم من بعد الزمني الشاسع الفاصل بين كتابة الروايتين ونشرهما، إلا أن ثمة وشائج واضحة بين العملين، لا نراها تعود إلى تأثر أحدثهما بالأقدم، وإنما مرجعها إلى موضوع الروايتين، وإلى حد كبير أسلوب كتابتهما!
وضوح الرؤية والهدف
عندما كتب فرح أنطون روايته كان على وعي تام بماهية الفن الروائي ومتطلباته، وقد حاد عنها عمدًا بسبب الهدف الذي تغياه من كتابتها، ولم يترك ذلك لاستنباط القارئ، وإنما أعلنه بسفور في تقديمه للرواية؛ حيث كتب:
"خطر لنا أن نهجر أسلوب المقالات المتقطعة والفصول المتفرقة إلى أسلوب الرواية؛ لأنه أجمع وأوعى، فضلًا عن كونه أشد تأثيرًا وأحسن موقعًا ... سيكون اهتمامنا في الروايات بالمبادئ والأفكار مُقدمًا على الحوادث والأخبار، ولكن هذا لا يمنع من التزام ما تقتضيه الرواية من الوصف وتصوير العواطف والحوادث تصويرًا طبيعيًا ...
هذا الكتاب "الدين والعلم والمال" هو الرواية الأولى من هذه الروايات، وموضوعه معروف من عنوانه، وقد سميناه هنا (رواية) على سبيل التساهل لأنه عبارة عن بحث فلسفي اجتماعي في علائق المال والعلم والدين".
ومن جانبه، اجتنب محمد عبد اللطيف كتابة مقدمة لعمله الروائي الأول، بعد مجموعتين قصصيتين، فلم تعد كتابة مقدمات للأعمال الإبداعية بقلم مؤلفيها أمرًا مقبولًا في الوقت الراهن، غير أنه صَدَّرَ الرواية باقتباس من قصيدة شهيرة للشاعر الراحل أمل دنقل، يؤشر به بوضوح على موضوع الرواية وتوجهها:
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علَّم الإنسان تمزيق العدم
من قال "لا" .. فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم
الشخصية المحورية، في كلا الروايتين، شاب يبلغ من العمر ثلاثين عامًا،تؤرقه الأفكار، لا يتكيف وحال مجتمعه، ويبحث عن فردوس ما.
"حليم" في رواية "الدين والعلم والمال" يصفه الراوي بأنه "شاب كريم، صرف عمره في مطالعة الكتب وانتقاد أحوال الاجتماع". أما "عقل" في رواية "بذرة تفاحة آدم"، فإنه يسرد معبرًا عن دخيلة نفسه: "أسئلة كثيرةتدور بذهني ولا يوجد إجابات ... منذ عرفت العقل وأنا في حالة صراع ... لا مكان للعقل داخل هذا المبنى (مشفي الأمراض العقلية)، ولا مكان للإنسانية خارجه، يبد أن الحياة المثالية لا توجد إلا في الجنة".
تخير فرح أنطون لبطله مهنة مصور؛ أي رسام، وجعله صاحب شهرة في هذا المجال، لكن قرينه "عقل"، فإنه أتعس حظًا فمجتمعه لا يعترف له بمثل الصفة. فأمام النيابة جرى هذا الحوار في سياق التحقيق:
وظيفتك؟
فنان.
مكتوب في بطاقتك فنان؟!
أتمنى ذلك، ولكن تلك مهنة لا تُكتب في الأوراق الرسمية!
إذن أنت عاطل.
لست عاطلًا، أخبرتك أنني فنان، فأنا أعزف الكمان، وخطاط، وأقوم بالنحت أحيانًا، ولكن الرسم غايتي، ولأصدقك القول فعملي هو النقاشة.
ذهنية الراويتين
حين تسيطر "فكرة" أو قضية محددة على الرواية، وتسعى للتأكيد عليها بمجمل أحداثها مواقفها وشخوصها، فإنها تكون رواية ذهنية. ويأتي بناؤها – في الغالب – في شكل خطي مستقيم، وتحتشد بالرموز، التي قد تكون شديدة الوضوح، لتخدم بشكل مباشر "الفكرة" أو القضية المطروحة.
وهذا اللون من الرواية عرفته كل آداب العالم، وشاع في مستهل القرن العشرين في الأدب العربي، ومن بينها رواية "الدين والعلم والمال"، وتعد بعض كتابات توفيق الحكيم في الثلاثينيات من أبرز نماذج هذا الأدب الذهني، بل ونجده في أكثر من عمل للروائي العربي الكبير نجيب محفوظ. فعن روايته "الشحاذ" ذات الطابع الذهني، الصادرة عام 1965، قال نجيب محفوظ: لم تعد البيئة هنا ولا الأشخاص ولا الأحداث مطلوبة لذاتها. الشخصية صارت أقرب إلى الرمز أو إلى النموذج، والبيئة لم تعد تُعرض بتفاصيلها، بل صارت أشبه بالديكور الحديث، والأحداث يُعتمد في اختيارها على بلورة الأفكار الرئيسية.
ولأن الأفكار والقضايا التي تعالجها الأعمال ذات الطابع الذهني، بما تطرحه من تساؤلات كونية ووجودية كبرى، لم تجب عنها البشرية بصورة نهائية وحاسمة، تستقطب انتباه الباحثين عن الحقيقة، فإن الأعمال الأدبية الذهنية لم تختف حتى الآن. قد تكون تراجعت إلى حد ما، أو حاولت التدثر بأردية مختلفة، لكنها ظلت موجودة، وآية ذلك رواية "بذرة تفاحة آدم" الصادرة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
ولما كان الرمز أداة أساسية في الرواية الذهنية، فإننا نراه مباشرًا وواضحًا لدى فرح أنطون، كما نجده في عمل محمد عبد اللطيف، وإن كان – لدى الثاني - بشكل أكثر إيحاءً وتمويهًا وأقل جهارة. القضية ومصاحباتها من الرموز تتسلط على الروايتين بدءًا من عنوانيهما، واسمي شخصيتيهما المحوريتين: "حليم" و"عقل"، وصولًا إلى وقائعهما وأحداثهما المتنامية في اتجاه تأكيد "المقولات".
أحلام وحوارات
تحتل الأحلام والكوابيس مساحة واسعة في معمار رواية "بذرة تفاحة آدم"، كذا فإن الحوار آلية أساسية فيها، تَمَكَّن السارد عبرها من الإفصاح عن مضمون أفكاره وبلورة رؤاه وطرح أسئلته العصية. وبسبب طبيعة الرواية الذهنية، فإن البطل فيها تتمحور كل الوقائع حوله، ويهيمن وعيه وسلوكه على وعي وسلوك باقي الشخصيات. ولهذا أيضًا لا توجد أية إشارة للزمن أو البلد الذي تجري فيه أحداث الرواية.
يُساق "عقل" للاحتجاز في مشفى للأمراض العقلية، لمجرد أنه ليس مثل الآخرين. يواجهه المحقق بالسؤال/ الاتهام: "لماذا لا تريد العيش مثلنا؟".
في نهاية الرواية يدور الحوار التالي بين "عقل: وأحد المسؤولين عن إيداعه بالمشفى:
أمرك عجيب يا عقل! ألا تريد أن تخرج من هنا؟ ألا تريد حريتك؟!
بالطبع أريد حريتي، ولكن ما علاقة ذلك بخروجي من هنا؟!
يبدو أنك جننت بالفعل، كيف تريد أن تكون حرًا وأنت هنا؟
وما الذي يضمن لي إذا خرجت من هنا سأكون حرًا؟
اسمع أيها المعتوه، سوف تخرج من هنا، وسوف تكون إنسانًا عاديًا، أو يكون مصيرك مثل شقيق الطبيب (الانتحار) ... هذا آخر يوم لك هنا، بإرادتك أو رغمًا عنك.
تمتلئ نفس "عقل" بالشك والمرارة. في حوار له مع طبيب المشفى المتعاطف معه، يقول:
إن الأمر مضحك جدًا ومثير للسخرية، ألا تتفق معي يا دكتور! اسمي (عقل) ويتهمونني في قواي العقلية؟!
أنا نفسي يا عقل بدأت أشك في قواي العقلية، ولكن لا أشك بقواي القلبية.
وفي موضع آخر من الرواية، يخاطب "عقل" طبيبه قائلًا:
أنت على حق يا دكتور، المسألة لا تفرق في شيء، وكأن هناك من يهتم أصلًا بالموجودين هنا أو بالخارج! من يهتم أصلًا بالوجود يا دكتور؟
أسطورة الشجرة
تعد الشجرة المغروسة بفناء مشفي الأمراض العقلية مركزية في رواية محمد عبد اللطيف، والذي حاول أسطرتها، فقد كانت هذه الشجرة دومًا موجودة في مكانها، وقيل أن المشفى بُنيت حولها بتصميم دائري لتكون في المركز.
يروي أحد نزلاء المشفى:
إن تلك الشجرة هي ما تبقى من تفاحة آدم التي قطفها من الجنة، وتريد الشجرة أن ترجع مرة أخرى إلى الجنة، ولكن غذاء النباتات العادي لا يكفيها فتتغذى على البشر، ولكن باختيارهم، كأنه تكفير أو قربان.
كل الموجودين في المشفى من مرضى وأطباء وممرضين تراودهم دائمًا الشجرة في أحلامهم. وعندما يموت النزيل المُسن، يزعم زملائه أنه ذهب إلى الشجرة ولم يعد. ويحكي أحدهم أنه رأى المتوفى في الحلم يسير مستندًا على عكازه حتى وصل إلى الشجرة وهو مبتسم وسعيد، ثم باعد بين ذراعيه، وخاطب الشجرة قائلًا:
خذيني الآن، جئت إليك طواعيةً، أريد أن أكون غذاءك، أريد أن أستعيد مكاني في الجنة، سأكون فروعك وأوراقك التي تنبت صعودًا للسماء، ستعودين إلى مكانك الأصلي وأنا معك.
ثم انطلق فرع من الشجرة اخترق قلبه، فزوى الرجل، وخرج جذر من الأرض التف حول جسده وسحبه إلى باطن الأرض.
وتنتهي "بذرة تفاحة آدم"نهاية مفتوحة ملتبسة، تعمق الأسئلة عوضًا من الإجابة عنها، فنشهد الراوي مقتربًا من الشجرة حتى شعر بما وصفه بأنه ذبذبات قلبية تنبض بداخلها، فانطلق فرع منها يتحسس وجهه كأنه يتعرف عليه، وانطلقت باقي الفروع تخترق صدور نزلاء المشفى تنتزع قلوبهم وتسحب الجذور أجسادهم.
"وجه الشجرة ينظر لي نظرة خالية من أي تعبير، الجذور تدور حولي والفروع تمسكني، سلمت في تلك اللحظة وهيأت نفسي لأن أصبح جزءًا منها حتى أصل إلى الجنة ونوال حريتي. لكنها لملمت فروعها. تركتني وحدي لا أعرف الآن هل أنا حر أم وحيد!"
ختامًا
بالرغم من أن "ثيمة" مشفى الأمراض العقلية التي يلوذ بها العقلاء، رضاءً أو كرهًا، هروبًا من شرور العالم الخارجي وضلالاته وعدم القدرة على التآلف معه، قد استعملت مرارًا في أعمال أدبية وظهرت في أفلام سينمائية منذ عقود، غير أن رواية "بذرة تفاحة آدم" يستحق كاتبها الشاب الدؤوب محمد عبداللطيف التحية، إذ لم تخل من لمحات إبداعية بارعة، وطموح قوي نحو تخليق أسطورة معاصرة، نثق بأن هذه اللمحات وذلك الطموح سيتجليان في أعمال مقبلة على نحو أكثر امتلاءً وتوهجًا.