أحمد فضل شبلول يتجلى مع نجيب محفوظ في 'ليلته الأخيرة'
"شخصيتي لا تصنع فلماً".. هذا ماقاله نجيب محفوظ للفنان أحمد زكي عندما أراد تجسيده على الشاشة، ولكن الكاتب المصري أحمد فضل شبلول له رأي آخر، إذ يضيء لنا في هذه الرواية الجميلة حياة نجيب محفوظ من خلال ليلته الأخيرة في المستشفى، فيتسلل طيفه "إلى الغرفة رقم 612 بمستشفى الشرطة في العجوزة، دون أن يراه الواقفون أو الجالسون في الغرفة، أو في الصالون المجاور لها، وما أكثرهم، فيهم من أعرف ومن لا أعرف. لم يرني محمد سلماوي، ولا يوسف القعيد، ولا جمال الغيطاني، ولا ابراهيم المعلم، ولا نعيم صبري، ولا ابراهيم عبد العزيز، ولا محمود الشنواني، ولا زكي سالم، ولا من تبقى من شلة الحرافيش، وأنا أدخل إلى الأستاذ الذي أشار إلي بالجلوس إلى جانب إذنه وفمه".
يقول له نجيب محفوظ سأقص عليك ما لم أقصه على الآخرين، وما لم يرد في حكاياتي ورواياتي وكتبي، وسيطلب منه ملأ الفراغات التي تعترض الحكاية، باعتبار الروائي أحمد فضل شبلول هو من المدققين بأدب نجيب محفوظ وأعماله الروائية، ولهذا سيكون المستمع الأمين إلى ما يقول عن حياته وصداقاته وأبطال رواياته، بل ويتجلى معه في ليلته الأخيرة، منذ أول الاتصالات المهمة التي جاءت للإطمئنان على محفوظ من مبارك رئيس الجمهورية وماركيز الروائي الشهير، وحتى انتهت مهمة الروائي مع انتهاء مهمة نجيب محفوظ في هذه الدنيا، عندما ينهض من سريره ويخترق الجميع قائلا بأن الحياة يجب أن تسير سيرتها المألوفة، وحديث الموت أن ينتهي، وأن يعود الناس إلى الإحساس الطيب بالحياة.
سينظر الراوي مرة أخرى حوله في الغرفة، ليجد أصدقاء نجيب محفوظ وعائلته حوله، وكذلك وزير الصحة الذي جاء بنفسه ليفحصه ويكشف عليه. يقترب الراوي من أذنه ويسأله همساً: ل"ماذا اختاره تحديداً، لكي يروي قصة حياته، فيجيب محفوظ قائلا: "لا تكثر من الأسئلة، فتحرق الاجوبة، أنت هنا في مهمة جليلة، وأنا كم أود لو أتبصر في ذاتي بوضوح، قبل أن يفوت الأوان........ أردتك أن تروي هذه الرواية عني، وتّذكر دائما أن قدراً هائلاً من البطولة قد يكون في أتفه الأفعال. وأن الارتماء في العمل هو الذي يعطي للحياة قيمة".
ثم يبدأ الرواي احمد فضل شبلول بسرد تفاصيل هذا اللقاء الافتراضي، ويقول له محفوظ: "إن الاسكندرية هي أساس حياتي مثلما الجمالية هي أساسها". ولهذا كان يتشبث بالبقاء بها في شبابه قدر الأمكان، ولا يعود للقاهرة إلا مرغماً بسبب ظروف عمله، ثم يحلق محفوظ في وصف جمال الاسكندرية وسمائها وطقسها المتقلب وزرقة بحرها اللا نهائية، بل أنه عندما يسافر للأسكندرية ينام نوماً عميقاً لا يحصل عليه في القاهرة. ذاكرته قد ازدادت حدة في هذا اللقاء الروحي مع كاتب سيرته، فيروي له أدق تفاصيل الحياة الاسكندرانية في ذلك الوقت، ثم يعرج على أزمنة وأمكنة وشخصيات كثيرة.. كيف رسم خرائطها في قلبه، مثلما انرسمت في قلب الجبلاوي بطل رواية "أولاد حارتنا".. أما بالنسبة لرواية "بداية ونهاية" التي يسأله عنها الروائي شبلول تحديداً، فيقول نجيب محفوظ أنها بدأت بفكرة كوميدية وانتهت بمأساة.
كيف؟
هناك مجموعة من الناس كنت أبغضهم، هم أبطال القصة، عرفتهم في صباي، وكانوا مجردين من الحياء، يستولون على مصروفي، مستغلين بؤسهم، أو يحاولون على بشتى الطرق لأدفع لهم ثمن تذكرة الترام.
لذا فكر محفوظ بكتابة قصة كوميدية يسخر منهم بها، ولكنه عندما بدأ الكتابة، راح ينظر لهم من أكثر من زاوية، والنتيجة كانت مأساة، بسبب إعمال العقل والمنطق أثناء الكتابة.. البداية كانت دائماً صعبة بالنسبة لمحفوظ، كما يقول، أما ما بعدها فهو الانعكاس الكامل لرؤية الكاتب عن الحياة والناس والكون... كان يمزق أيضا كل مسوداته، ما أن ينضدها على ماكنة الطباعة ويبعثها للنشر، إذ كان مغرماً بإبادتها كما يقول. يتحدث أيضا عن زيارته الصيفية السنوية للاسكندرية والمطاعم التي يرتادها والأصدقاء الذين يسهر بصبحتهم، وحتى عندما نصحه الأطباء بالابتعاد عنها بسبب التحسس الذي أصيب به من جراء طقسها الرطب، فإنه لم يفعل ذلك. بل ازداد تعلقا بها وتزوج واحدة من بناتها.
ستظهر الإسكندرية لاحقا في اثنين من رواياته، هما "ميرامار" و"السمان والخريف"، ولن يأتي على ذكرها في الثلاثية، لأن أجواء الأسكندرية المنفتحة لا تتفق مع شخصية السيد أحمد عبد الجواد الحادة الصارمة المنعزلة عن أسرتها، ولا تصطحبها إلى المصيف. في الاسكندرية كان لمحفوظ ذكريات كثيرة يرويها، سواء مع توفيق الحكيم أو محمود سعيد، الذي كان يتحدث إليه بالفرنسية، مع هذا يقول بأنه لم يكتبها كما ينبغي في أعماله، ولهذا لم يتحرر منها ويعتبر نفسه أسيرها.
أول قصة كتبها ونشرها محفوظ كانت في عام 1930 ثم كتب بعد ذلك ثلاث روايات لم تنشر، لأنها رُفضت، فبدأ بكتابة الرابعة، ولم يكن هناك أي أجر للكاتب حينذاك،ماعدا للكتاب الثلاثة الكبارطه حسين والعقاد والمازني، لكنه لم يعتبر الكتابة مصدر رزق أو مهنة بقدر كونها حياة.
عندما جاء العام 1935 قبض أول جنيه عن قصة نشرها، فدعا شلة أصدقاء العباسية إلى العشاء، إذ كان الجنيه يكفي لعشاء 20 فردا... ينعطف شبلول كاتب هذه السرة الروائية، بعد ذلك، لموقف نجيب محفوظ من النقد، وينقل عن لسانه أنه ليس من المفروض أن يرد المؤلف على الناقد، لكن الذي يرد عليه ناقد آخر، كما يفرد مساحة وافية لعلاقته بالناقد سيد قطب، الذي اهتم بأعماله بشكل مبكر، وكيف تحول من الأدب إلى الفكر المتطرف بعد خروجه من السجن.. سيتحدث أيضاً عن علاقته بالقلم، وكيف يفضله بالكتابة على الآلة الطابعة سابقا. والكومبيوتر لاحقاً. وكيف ساعدته الظروف البيتيه على أن يكون بعهدة أفكاره في أوقات محددة، وكأنه على موعد مع السيكارة او القهوة. لكنه لا يفضل الخوض كثيراً في حياته الشخصية، فهو من النوع الذي لا يزور ولا يُزار، ولايعرف دخول بيوت الأصدقاء، وإنما يلتقي بهم في المقهى فقط، وحتى زواجه كان متأخراً (43 سنة)، لأنه أراد الزوجة التي تتفهم كيانه ككاتب، وتمّكنه من تطبيق النظام الصارم الذي فرضه على حياته. كما يستعرض محفوظ اللقاءات التي اهتمت بتجربته،والحوارات التي أجريت معه منذ أول حوار على مجلة الحائط المدرسية.. ويذكر كيف كانت من أمنيات الموسيقار عبدالحليم نويرة تحويل روايته "رادوبيس" إلى أوبريت موسيقي، وأم كلثوم أيضا أردات تحويل إحدى رواياته الفرعونية إلى أوبرا، وفي عام 1988، بعد فوزه بجائزة نوبل، زاره موسيقي شاب من كندا، وطلب تحويل روايته اللص والكلاب إلى عمل موسيقي. لكن أيا من تلك المشاربع الثلاثة لم يتحقق.
بالرغم من انه احتفظ بين دفاتره بعشرين موضوعا عن تاريخ مصر القديم، فقد كانت تلك الفترة التي اهتم بها محفوظ بالتاريخ المصري القديم فترة قصيرة، تجاوزها سريعا للكتابة عن تاريخ مصر الحديث، وحياتها الاجتماعية التي ظهرت في كل رواياته. ولكن المفارقة أن روايته "كفاح طيبة" ( 1944)، هي الرواية العربية الوحيدة التي اختيرت في اسبانيا كواحدة من أهم الروايات التي صدرت في العالم العربي خلال القرن العشرين.
انتقل محفوظ من "كفاح طيبة" مباشرة إلى "القاهرة الجديدة"، وأحيل بسببها للتحقيق، لأنها قدمت مواقف سياسية وشخصيات مثيرة للجدل. وأشهرها شخصية محجوب عبدالدايم الانتهازي الذي يريد الوصول إلى هدفه بأية وسيلة.
بعد ذلك يسرد الروائي أحمد فضل شبلول، على لسان محفوظ، ملابسات كتابته للروايات اللاحقة لـ "القاهرة الجديدة" و"خان الخليلي"، والمشاكل التي تعرض لها، وكيف اتصل أنور السادات أكثر من مرة برئيس تحرير الاهرام، محتجاً على بعض وجهات نظر نجيب محفوظ في روايات مثل "أهل القمة" و"الحب فوق هضبة الهرم" . ليدخل الروائي كاتب السيرة مع محفوظ، بعد ذلك، في "زقاق المدق" و"دروب الثلاثية"، وهي العمل الوحيد، كما يصفه محفوظ، الذي يحوي جزءا كبيرا من قلبه وعقله، حتى قيل أنها "حجر الزاوية في انتاجي الروائي". استغرق كتابتها أربع سنوات، وأتعبته جدا، لأنه كان في صراع مع اللغة، وكيفية تطويعها ليكون الحوار مقبولا مع أنه فصيح. وقد لاحظ يحيى حقي أنه حرك 53 شخصية داخل هذا العمل الملحمي، فأطلق عليه مؤرخ الحياة المصرية، وخاصة بعد أن قرأ "اللص والكلاب' و"ثرثرة فوق النيل"..
الرواية مشوقة تشد القارئ إلى متابعتها، كما اعتمد شبلول في كتابتها على البحث الوافر في المصادر والمرجعيات، ومنها مؤلفات الروائي نفسه عن نجيب محفوظ، والمواقف الرقابية والأدبية الكثيرة التي حدثت معه، بسبب الشخصيات والمواقف السياسية التي صادفها، أو عبر عنها في رحلته الطويلة مع الكتابة،بجانب خمسة وعشرين مصدراً اعتمدها كاتب هذه السيرة الروائية لهذا الغرض.
وصدرت الرواية عن دار العراب للنشر والتوزيع.