بنية التشظي في 'تلة يسكنها الأعداء'
"تلة يسكنها الأعداء" للكاتبة السورية فدوى العبود هي تلة البحث عن المعنى، عن تبريرات للوجود، هي مجموعة قصصية مترابطة حينا ومنفصلة حينًا آخر يمتزج فيها الشعري بالقصصي، إذ أحسست في كثير من المفاصل بحضور المخيال الشعري للكاتبة في قصص ذات طابع فوضوي مرتبك وبينما قد يعتبر البعض هذا أمرًا سيئًا لكني أعتبره أمرا جيدا، حيث تحاول "فدوى" جعلنا نقف على نصوصها، ونحن متأملين ومتسائلين.
في هذه التلة نجد أجواء عبثية من الحرب والمعاناة، وقد ربطت بين الحرب والتبرير الوجودي حيث يذهب بعض الجنود للحرب من أجل هذا الغرض.
نجد الشخصيات في القصص متأرجحة بين الواقع وبين عوالم أخرى كالخيال والحلم والكابوس، بين عالم داخلي نفسي وعالم خارجي محيط، بالتالي شخصيات لا تقف على حدود واحدة في تشابك وتضايف لا تعود قادرة فيه على التمييز بين ما هو واقعي أو متخيل، إذ تشهد بنفسها على ذلك فتقول في أحد النصوص "بدأت أخلطُ بين الحدود، كما كنت أفعل في الطفولة وهذه عادة سيئة". وتقول أيضا في نفس السياق: "هذا جعلني أتخبط وأول علامات تخبّطي أنني كما أخبرتكم لا أعرف بالضبط إذا كنت أحلم أو تحت تأثير كتاب".
الشخصيات غالبا ذات روح طفولية متهورة تلعب بالنار، وما انفك الطموح يساورها للاستكشاف والفهم، حيث تمرر في فقرات عديدة أسئلة فلسفية هامة وشيقة، بالإضافة إلى كون الشخصيات تعيش نوع من العزلة، بحيث أن الحياة بين الكتب وعوالم الآخرين ونسيان الواقع يجعلها لا تعرف متى وكيف حصلت كل هذا الاعتزال عن العالم.
هكذا يتبلور نسقُ تتداخل فيه الطفلة مع المرأة الناضجة، يتداخل الحلم بالأفضل مع نقيضه التراجيدي، إذ تعرض لمواقف وأحداث تمس المتلقي بشدة، مثل أن ترسم علمًا قاتمًا كما كانت عيناها تريانها إياه دون كذب أو مجاملات في عقل لا يقبل الإطاعة والتدجين، هذا الموقف تشاؤمي يريد أن يحثنا على كون أن هنالك خطب ما سيء لكن لا أحد يراه، إنه موقف منبه لكنه في الوقت نفسه يقابل من الآخرين بالاستهجان والرفض وهذا حال المختلف دومًا.
تكتب "فدوى" بطريقة أدبية/فلسفية ساخرة حيث تخلق من السخرية والتهكم عملا يجعلنا نضحك بدلاً من أن نبكي لكن ضحك ناضح بالحسرة، مثل ضحكات تخرج من العينين كدموع، بالإضافة إلى تحويلها للبكاء إلى حالة وجودية تحمل حالة من الرفض حيث نبكي حين يخوننا القول.
لدى الكاتبة براعة في عملية المزج والخلط بين المرأة التي تحكي القصص والنساء اللواتي تتحدث عنهن فقد تلاحظ ذلك منذ بداية القراءة، لكني تأكدت من أنها تتعمد ذلك من خلال ما كتبته عن أحد شخصياتها "المرأة الحديدية"، حيث كتبت قائلة: "لا تقلق هي ليست ميدوزا إنها أنا".
تحلق الكاتبة وترفرف لتطلعنا على الهوّة الكبيرة التي تفصل بين الواقع والخيال، بين واقع عاجز وبين مخيلة مفتوحة على الممكن، حيث قد لا تكون الحقيقة كالحلم فالسيارة في الواقع لم تكن كالتي تخرج من الجدار الأبيض.
وهذا المزج بين الواقع والحلم والخيال يقتل الرتابة في النص ويشد القارئ نحو متابعة القراء من أجل معرفة مسار الأحداث، بالإضافة إلى الأسلوب الجديد في السرد والذي لا يطلب منا قراءة القصة الكاملة ثم نخرج بخلاصة لا بل تطلب منا أن نعيش معها الأحداث كل حدث تلو الآخر، حيث أنه في كل حدث تحمل رؤى عميقة تستحق التأمل والنظر فيها.
الفتاة البكّاءة، أم القصاصات، المرأة التي لا تميز بين حفرة عميقة في رأسها وبين أخرى في الشارع، المرأة التي لا تميز بين العالم بأكمله وبيتها "غرفتها بشكل أخص"، كل هذه الشخصيات مغرقة في التشاؤم، في اليأس، في السؤال إلا أن فدوى عرضت هذا التشاؤم بنوع من المرح الساخر واللاذع.
تتساءل الطفلة لور: "متى يأتي الغد" وهذا من أعمق الأسئلة وأهمها في واقع مأساوي ننتظر أن نعيش فيه كما نحلم ونريد في الغد، في غد موعود لا يأتي، حيث العجز والانتظار قد دفعا الطفلة إلى اعتبار الغد زائر لا يأتي، وهذا سؤال تشاؤمي متذمر على لسان طفل يطرح الأسئلة بطريقة طفولية بسيطة لكن صعبة في آن معا.
تحمل فدوى في مجموعتها القصصية روح طفلة، طفلة نضجت بسرعة، طفلة لم تعد تعرف كيف تلعب أو تكتب مواضيع التعبير أو ترسم كبقية الأطفال، بل طفلة بائسة، ومتشائمة ومتجهمة وباكية، تستسلم لبياض الأوراق لا تكتب عن الوطن والحب عن الربيع والشتاء تكدس الأوراق أسفل قدميها حتى كبرت دون أن تعلم متى حصل ذلك..
"لماذا كبر صوتك قبلك! متى انفصل عن جسدك"
يتحول الصوت مع الكاتبة إلى ثورة، إلى رفض، إلى غضب، إلى شيء يسبب الذعر والنفور، إلى استهجان واستنكار غير مؤوّل من قبل الأصوات الخاضعة، تملك صوتًا مجروحًا، تملك فم مجروحًا لم يعد قادرًا إلا على الصمت لأن صرخته ستكون مزعجة للجميع، صرخة سوف تخترق المدى...
يتشابه في قصص فدوى الموت بالولادة، الغرفة بالقبر بالنص الذي تكتبه عبر عوالم سريالية حالمة تحاول عبرها استرجاع ما ضاع في أعماق لا وعيها: "الحلم أرض جيدة لاستعادة المفقودات".
أحببت للغاية في القصة الأخيرة بعنوان "وعول محنطة" ذاك البعد الأنطولوجي للبحث عن معنى الوجود والمكان في العالم، أعجبتني الفوضى والارتباك الحاصل لأنه جسد الضياع بشكل أكثر من جيد، كنت أقرأ وأسير معها وبرفقتها وأنا ألهث، وهذا بالتحديد أي الشعور باللهاث هو دليل قوي على نجاحها بإيصال حالة الضياع التي تمر فيها الشخصية، ذاك الضياع والتيه الوجودي الذي يعاني منه الإنسان، بالإضافة إلى الطفلة التي ترسم في نهاية القصة فقد استشفيت من خلالها الإنسان الذي يرسم ويخلق مصيره بيديه، وغالبا يحصل ذلك على الورق على البياض، إذ يتطلب منك ذلك أن تعيش حياتك كظل.
أخيرًا ما يمكن قوله في هذه المساحة أنَّ "تلة يسكنها الأعداء" هي سردية جديرة باستطلاع ما يربض بين مكوناتها التراجكوميدية فرفقة هذه المجموعة القصصية تكسبك الشعور بالمرح، إذ تبتسم سواء أكان الموقف كوميديا أو تراجيديا، حيث تستعرض لنا فيها شيء يشبه الذكريات والأحلام، في ظل أجواء من الحب والحرب والمعاناة، في البداية كنت سأنتقد إحالتها الكبيرة لقصص أخرى قرأتها لكن فيما بعد وجدت أنها تحاول أن تخبرنا عن حياة امرأة عاشت في القصص التي تقرأها والكتب أكثر من اللازم، وعاشت بأحلامها لتحاول بدل أن تفعل الفعل الذي يفعله الجميع بإسقاط الواقع على الحلم لإثبات وهمية الحلم، هي على العكس تسقط الحلم على الواقع، إلا أن نتيجة ذلك لا تكون إلا مزيدًا من الألم والعبث، لأن الواقع لا يحصل كما في الأحلام.