جمهور الحمامات يتمايل على إيقاعات من التراث الموسيقي المغاربي

المغربية هند النعيرة والجزائرية جازية ساطور تدخلان بالحضور في مهرجان الحمامات الدولي بتونس إلى عالم موسيقى الكناوة وأنماط عالمية مثل الجاز والبلوز.

الحمامات (تونس) - تفاعل جمهور الحمامات في ثالث ليالي مهرجانها الدولي مع إيقاعات تنبع من التراث الموسيقي المغاربي، وذلك في سهرة مشتركة للفنانتين هند النعيرة من المغرب وجازية ساطور من الجزائر جمعت بين عمق موسيقى الكناوة وسحرها الصوفي وانفتاح الصوت المغاربي على أنماط عالمية مثل الجاز والبلوز.

افتتحت الفنانة المغربية هند النعيرة وفرقتها القادمة من ضفاف الأطلسي السهرة بإيقاعات الكناوة التي أعادت إنتاجها بروح نسائية معاصرة متحدية التقاليد التي اعتادت حصر هذا النمط الموسيقي في الدائرة الذكورية.

وغنت هند على مدى نحو ساعة وعزفت على آلة القمبري بمرافقة عازفين على آلة الشقاشق وهي من أهم الآلات الموسيقية التقليدية المؤثثة لعروض الكناوة. وتصدر هذه الآلات نغمات مختلفة لاختلاف مواد صنعها: فالقمبري آلة وترية يختص "المعلم" في العزف عليها، وأما الشقاشق فهي عبارة عن صفائح من معدن النحاس وتحاكي في نغماتها أصوات الأغلال وطرق الحديد التي كبلت العبيد منذ قرون في رحلتهم نحو البلدان المغاربية.

وفي ليلة اكتشاف موسيقى كناوة أنشدت هند النعيرة على مقامات الكناوة التقليدية ذات الأبعاد الروحية والطقوس الصوفية، حيث أبدعت في أداء أغنيات مثل "بانية" و"يا رسول الله نبي" و"فونغورو" و"فلاني حريزة" و"برمة للا سلطان نبي" و"بحراوي مول الماء" و"ساندية" و"عائشة".

وردد الحضور كلمات "امبارا مسكين" و"سيدي ميمون" وغيرها من الكلمات والأسامي التي تحيل على جذور معاناة أو معاناة الجذور وأيضا على "ماورائيات" ابتدعها أوائل كناوة ربما لفتح نافذة على عوالم متخيلة قد تتيح الانعتاق من هذه المعاناة.

فقد تميزت هذه الموسيقى بطابعها الاحتفالي في ظاهرها، لكنها تروي في باطنها قصصا ومعاناة لفئة بشرية لطالما كبلت أرجلها السلاسل والأصفاد، فكان هذا النمط الموسيقي محاكاة لقرقعة سلاسل العبودية ورنين الأصفاد وطرق الحديد.

وعبرت الفنانة المغربية في ندوة صحفية تلت العرض عن فخرها بالمشاركة في مهرجان الحمامات الدولي واعتبرته شرفا كبيرا أن تكون ضمن فعالياته في دورته 59.

وتحدثت النعيرة عن صعوبات اقتحام المرأة مجال الكناوة الذي وصفته بـ"العالم الذكوري"، مشيرة إلى أن عدد النساء الممارسات لهذا الفن لا يتجاوز اثنتين في المغرب، قائلة "لكن المرأة المغربية اليوم تملك مكانة قوية وقدرة على الإبداع في مجالات عدة وأنا من بين النساء اللواتي يسعين إلى تطوير هذا الفن وتأكيد أن للمرأة فيه مكانا مستحقا".

ولفتت إلى أن لها فرقتين الأولى تقليدية والثانية تمزج بين الكناوة وأنماط موسيقية عالمية مثل الجاز والبلوز وتستخدم فيها آلات متعددة مثل الدرامز والكمان والباص والقيتار الكتريك والبيانو.

وذكرت أنها قدمت عروضا داخل المغرب وخارجه وأنها اشتغلت على دمج الكناوة مع الموسيقى الأندلسية تأكيدا على الطابع العالمي لهذا اللون الفني ومرونته في التفاعل مع أنماط موسيقية متنوعة.

وبينت أن موسيقى الكناوة روحانية وعاطفية تنفذ إلى القلب وتؤثر في الوجدان وأنها تسعى إلى الوصول برسالتها الفنية إلى الجمهور، مشيرة إلى احترامها الكبير لكل من سبقوها في هذا المجال وتطمح إلى نقل صورة مشرقة لهذا الفن، معربة عن سعادتها الكبيرة بزيارتها الأولى لتونس، مؤكدة أنها لن تكون الأخيرة، قائلة "أتمنى أن أعود مجددا إلى هذا المهرجان العريق الذي يكبرني سنا ويشرفني أن أكون ضمن برمجته".

في مدينة الصويرة المغربية، العاصمة الروحية لموسيقى "الكناوة"، تربت وترعرعت طفلة صغيرة على إيقاعات هذه الموسيقى ونغماتها، فهند النعيرة وهي شابة تبلغ من العمر 28 عاما، أصبحت اليوم اسما لامعا في موسيقى الكناوة، تعلمت العزف على آلة القمبري (وهي آلة محورية في هذا النمط الموسيقي مستطيلة ذات ثلاثة أوتار غليظة) من دون أن يمرر لها "معلم الكناوة" بطريقة مباشرة، هذا الإرث الموسيقي الثقافي، إذ يعتبرها البعض فنانة عصامية، تعلمت موسيقى الكناوة بالدربة والعزف المتواصل على آلة القمبري والآلة الموسيقية الإيقاعية "القراقب".

وتعتبر النعيرة ثاني عازفة على آلة "القمبري" في المغرب بعد أسماء حمزاوي في فرقة "بنات تمبكتو". تدرجت في الوصول إلى العالمية شيئا فشيئا، حيث شاركت في العديد من المناسبات الفنية في عدد من البلدان خارج حدود المغرب. كما استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مرموقة في الساحة الفنية ونالت الاعتراف الاجتماعي والموسيقي بفضل صوتها الجوهري وعزفها المتقن على آلة "القمبري".

وفي الجزء الثاني من السهرة، كان لقاء الجمهور مع الفنانة الجزائرية جازية ساطور التي اعتلت الركح بمرافقة ثلاثة عازفين على الغيتار والكمان والباتري. وقدمت عرضا هو الآخر نابض بالإبداع الحر والانفتاح على الموسيقى العالمية مع الحفاظ على الروح المغاربية المتجذرة.

بدأت جازية ساطور مسيرتها الفنية في سن الخامسة عشرة ضمن فرقة "كناوة ديفيزيون"، ثم التحقت لاحقا بالفرقة الفرنسية "تريب ميغ"، قبل أن تختار طريقا فنيا خاصا تمزج فيه بين موسيقى الكناوة والراي من جهة، والـ"تريب هوب" والإلكترو من جهة أخرى. وقدمت خلال عرضها أغان من ألبومها "أصوات" من بينها: "نغمة الرياح" و"انظر إلى الليل" و"طالب الأمان" و"ما دامني" و"لون الأيام" و"ذكريات" و"مسيرة".

وفي أغنية "إذا"، غنت لفلسطين والمقاومة منددة بجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة. وأهدت كلماتها إلى كل الشعوب المستضعفة، بينما اختتمت عرضها بأغنية "بلوز إلينوي" على إيقاعات البلوز الأميركي كتعبير عن الحرية والعدالة وتذكير العالم بمحنة العبيد الأفارقة في طريقهم إلى العالم الجديد.

وتحدثت جازية ساطور في الندوة الصحفية التي تلت العرض، عن سعادتها بالمشاركة في مهرجان الحمامات الدولي مثنية على حرارة الاستقبال من الجمهور التونسي، قائلة "منذ وصولنا شعرنا بحفاوة كبرى من التونسيين عموما والمهرجان مساحة اكتشاف حقيقية وجمهوره يملك شغفا للاستماع واكتشاف الجديد".

وتطرقت إلى مرجعياتها الموسيقية، قائلة إنها ولدت في الجزائر ونشأت وسط تنوع موسيقي واسع بين البوب والموسيقى الكلاسيكية والموسيقى العربية والشعبية، مضيفة "تأثرت كثيرا بما سمعته في طفولتي وما زلت أؤمن بأن الإبداع الفني يستمد من هذه الذاكرة"، معبرة عن ارتباطها الوثيق باللغة العربية، مؤكدة أنها الحاضرة دائما في أغانيها لأنها اللغة التي تعبر بها عن مشاعرها بصدق.

وتابعت كلمتها بالحديث عن ألبومها "أصوات"، مبرزة أنه محاولة لرصد الأصوات التي تأتي من العالم وهي "أصوات المقهورين والمهمشين والمحرومين من أراضيهم مثل الفلسطينيين واللاجئين في مناطق النزاع"، مضيفة "حاولنا أن نمنح هذه الأصوات حضورا واضحا كي لا تضيع في زحام الضجيج اليومي والإعلامي".

ولدت جازية ساطور في الجزائر العاصمة في ثمانينات القرن الماضي. ونشأت في بيئة غنية بالأصوات المختلفة، فقد كانت تسمع الشعبي والبوب الغربي والموسيقى الكلاسيكية. وهذا التنوع أسهم في تكوين حسها الموسيقي في وقت مبكر.

وعرفت جازية ساطور بموسيقاها التي لا تتقيد بنمط موسيقي واحد، فهي تفضل التجريب والمزج بين أنماط متنوعة. أصدرت في سنة 2010 ألبوما قصيرا بعنوان "كلامي" اعتمدت فيه على أداء بسيط وآلات حية حيث كانت آنذاك تشق طريقها في البحث عن بصمتها الموسيقية الخاصة بها.

شهدت سنة 2018 تحولا في مسيرتها بعد أن أصدرت ألبوم "أصوات" غنت فيه باللغة العربية فقط. وقد كانت هذه المرحلة من مسيرتها خطوة نحو الذات حيث اشتغلت على التراث الجزائري واستلهمت من الأغاني الشعبية ومن الإيقاعات الريفية والصحراوية. وفي هذا الألبوم، استخدمت آلات مثل البندير والماندول والبانغو. كما حافظت على حضور البيانو الذي يعزفه الفنان الفرنسي "بيار لوك جامان".
وتعد هذه الزيارة الثانية لجازية ساطور لتونس بعد أن كان حضورها الأول سنة 2017 ضمن تظاهرة "جاز قرطاج". واليوم تعود هذه المغنية على ركح الحمامات أكثر توهجا وإشراقا فنيا توجته بمسار موسيقي طويل يجمع بين الأصالة والتجديد.

ويتواصل نبض الجمهور على الإيقاعات الموسيقية العالمية ضمن الدورة 59 لمهرجان الحمامات الدولي التي تستمر إلى غاية الثالث عشر من أغسطس/آب المقبل، بمشاركة 36 عرضا في 33 سهرة مبرمجة، من بينها 18 عرضا تونسيا.

وكان مدير المهرجان نجيب الكسراوي قال في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء إن العروض ستتوزع إلى 5 عروض مسرحية، وعرض كوريغرافي، و12 سهرة موسيقية منها سهرات سيحييها لطفي بوشناق، صابر الرباعي، غازي العيادي، نبيهة كراولي، وبلطي.

والمهرجان الدولي بالحمامات هو تظاهر ثقافية وفنية تقام في المركز الثقافي الدولي بالحمامات خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب من كل سنة. انعقدت الدورة الأولى منه في العام 1966. ويعتبر ثاني أهم مهرجان ثقافي تونسي بعد مهرجان قرطاج الدولي.