أشرف حزيّن ينزع قناع الدولة في 'رماد السيادة'
كان على أحدهم أن ينزع قناع الدولة، لا ليرى الوجه خلفه، بل ليفهم أن القناع هو الوجه. في عالم تُقدَّم فيه الدول كمساحات حكم ونظام وتمثيل شعبي، يأتي كتاب "رماد السيادة: تفكيك الدولة كخطاب، طقس، وجهاز رمزي" للدكتور أشرف حزيّن ليقول لنا شيئًا مختلفًا تمامًا: الدولة ليست ما تحكم به، بل ما تقوله عن نفسها. إنها طقس، ورمز، وأسطورة تتكرر حتى تصبح واقعًا.
لا يبدأ حزيّن من التاريخ ولا من السياسة، بل من اللغة. لا يهتم بما تفعله الدول، بل بكيف تتكلم، وكيف تبرّر، وكيف تحوّل الطقوس إلى قانون. ومن بين كل الدول، تبدو إسرائيل الحالة القصوى لهذا المنطق: دولة تأسست من الكلمات، وتعيش على الطقوس، وتحكم بالخوف، وتُنجز وجودها بإعادة تمثيله يوميًا بوصفه خلاصًا لا سياسة، قدرًا لا قرارًا.
ينطلق حزيّن في كتابه الصادر عن دار الأدهم من فكرة صادمة: أن إسرائيل ليست فقط مشروعًا استعماريًا، بل تجربة رمزية مغلقة، تبني سيادتها على سردية خلاصية، وتؤسس مواطَنتها على الامتثال الطقسي، وتعيد إنتاج نفسها من داخل خطابها الأمني والديني، لا من إنجازاتها السياسية أو شرعيتها القانونية. ومن هنا، لا بد من قراءة إسرائيل لا كحالة استثنائية فقط، بل كنموذج مضخّم لما يمكن أن تؤول إليه الدولة حين تتحوّل إلى جهاز رمزي مكتفٍ بذاته.
ولأن إسرائيل هي المثال الأكثر اكتمالًا لهذا النمط من الدول ـ حيث يتحوّل الوجود السياسي إلى أداء طقوسي يومي، ويتحوّل الخوف إلى ديانة مدنية ـ فإن المؤلف يُخصّص جزءًا كبيرًا من كتابه لتحليلها من الداخل الرمزي، لا من الخارطة الجيوسياسية. إسرائيل، في هذه القراءة، ليست دولة استعمارية فقط، بل بنية رمزية مغلقة تُنتج ذاتها من داخل اللغة، وتُحصّن سرديتها ضد التفكيك عبر هالة من الخلاص الديني والنجاة الأخلاقية.
ما يطرحه حزيّن لا ينتمي إلى أدبيات الصراع العربي ـ الإسرائيلي بوصفه صراعًا سياسيًا أو إقليميًا، بل ينتمي إلى الحقل الرمزي ـ الأنثروبولوجي في نقد الدولة. في هذا الحقل، تُدرس الدولة لا بما تُنجزه من سياسات، بل بما تُنتجه من طقوس، ولا بما تُشرّعه من قوانين، بل بما تُراكمه من سرديات قادرة على فرض ذاتها باعتبارها "الواقع الطبيعي". وهنا، تُغدو إسرائيل، كما يراها المؤلف، النموذج الأكثر اكتمالًا لهذه الدولة الطقسية.
يرى حزيّن أنه "حين ارتدت الاشتراكية معطفها الاستيطاني، لم تكن سوى قناعٍ جذابٍ لإقصاء الآخر وتدشين اقتصاد امتيازي مغلّف بالشعارات التعاونية، فقد تأسست الاشتراكية الصهيونية لا بوصفها مشروعًا تحرريًا يطمح إلى العدالة، بل كمنظومة رمزية–أمنية تحاكي الطهورية الجماعية، وتعيد إنتاج الذات اليهودية في مواجهة الغياب العربي، لتؤسس بذلك "الاشتراكية العازلة"، القائمة على تواطؤ الصراع الطبقي مع الاستيطان العِرقي... لم يكن العمل الجسدي هنا سبيلًا للانعتاق الطبقي، بل وسيلة للتمايز العنصري وتكريس الاستحواذ على الأرض".
ويؤكد أن إسرائيل ليست دولةً بالمعنى المألوف للكلمة. إنها خطاب مغلق، آلة سردية لا تتوقف، منظومة تمثيلية تحكم بمنظور "النجاة" لا بمنطق "الحكم". ولأنها تأسست على سردية خلاصية، فإنها تحتكم إلى منطق رمزي لا سياسي، وتُخضع ساكنيها لمخيالٍ قَبلي، لا لسياسات قابلة للنقاش.
بهذا الطرح، يضع حزيّن يده على جوهر الدولة الإسرائيلية: أنها ليست نتاجًا للحظة سياسية، بل نتيجة اشتغال لغوي كثيف أعاد تشكيل التاريخ، والمكان، والمأساة، في قالب سردي–طقسي تُكرّر فيه إسرائيل ذاتها كي لا تنهار. فهي "دولة الطقس المستمر"، حيث الوجود يعني إعادة التمثيل، لا الإنجاز السياسي أو الإقناع العقلاني. ويقول "في ضوء هذا التفكك البنيوي، تصبح الدولة نفسها فضاءً مفرَّغًا من المعنى الجمهوري، وتُملأ تدريجيًا بمعانٍ مستمَدة من السوق والعقيدة، حيث يُعاد إنتاج السيادة كصفقة... وعندها، لا تعود المشكلة في غياب السيادة، بل في فائضها: سيادات متعددة، غير متساوية، تتصارع في حقل الدولة، وتحوّلها إلى ساحة توزيع رمزي لا إلى نظام حكم".
ويتساءل: هل هناك ما هو أخطر من الاحتلال؟ يجيب "نعم، ثمّة ما هو أكثر خطورة من الاحتلال، وهو حزيّن على تقديمه كقدرٍ أخلاقي، أو كضرورةٍ وجودية، أو كفائض شرعيّة في وجه عالمٍ مسكونٍ بالريبة... إسرائيل، في هذا السياق، ليست مجرّد كيان سياسي، بل نموذجٌ طافحٌ بإمكانيات التمثيل المفرِط. إنها استعمارٌ مستوطِن لا يكتفي بالاستيطان، بل يؤسِّس ذاته بوصفه الحقيقة التأسيسية للعالم الحديث في إحدى أكثر صوره احتدامًا: عالم الإمبريالية المعولمة".
يُخصص حزيّن أحد أكثر فصول الكتاب كثافة لمفهوم الأسطورة المؤسِّسة، ويشرح كيف أن المشروع الصهيوني منذ نشأته لم يطرح نفسه بوصفه حركة استعمارية، بل بوصفه تحقيقًا لحلم روحي، وعد ديني، نجاة من الإبادة، واستعادة لـ"حق مسلوب". وهذه التوليفة الرمزية ليست مجرد دعاية، بل تحوّلت إلى الركيزة التأسيسية للهوية الإسرائيلية.. ويؤكد أن "الأسطورة هنا لا تسرد ما حدث، بل ما يجب أن يكون. إنها لا تُفسّر الماضي، بل تفرض مستقبلاً مغلقًا. تقول لنا: لا يمكنكم أن تنكروا وجود هذه الدولة، لأن وجودها ليس سياسيًا بل وجوديًّا، وليس مؤقتًا بل خلاصياً... فالنكبة إذًا ليست مأساة الفلسطيني، بل ضرورة لتحقيق خلاص الآخر.. هذه الصيغة الأسطورية التي تُقدّم بها إسرائيل نفسها تُحوّل الاحتلال إلى قدر، والتهجير إلى إجراء مؤسّس، وتُلبِس العنف ثوبًا طقوسيًا مغطى بالنجاة والتاريخ المقدّس. ومن هنا، كما يؤكد المؤلف، لا يمكن مناقشة إسرائيل من داخل اللغة التي تشرعنها، لأن هذه اللغة مصممة أصلًا لحجب النقد وتثبيت الخوف.
واحدة من أكثر الأطروحات اختراقًا في الكتاب هي تلك التي ترى في "الأمن" الإسرائيلي ليس غاية سياسية، بل وظيفة رمزية. فالأمن في إسرائيل لا يعني الاستقرار، بل استدامة الخوف. وهذا الخوف يُعاد إنتاجه لا لأن الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها، بل لأنها تعيش على استحضار التهديد "في إسرائيل، الأمن ليس 'وضعًا' يمكن بلوغه، بل 'مبدأ' لا يمكن الفكاك منه. الأمن هو الشرط الذي يُجمّد كلّ نقاش، يجمّد النقد، ويُحوّل الحاضر إلى لحظة طوارئ دائمة".
ويُتابع حزيّن "تصبح الخوذة جزءًا من اللباس اليومي، وتُصبح صفارات الإنذار جزءًا من الذاكرة الجماعية، ويُعاد بناء الدولة كل يوم بوصفها 'جدار صدّ'، لا كيانًا سياسيًا يفاوض على معانيه".
في هذا السياق، يصبح الأمن طقسًا سياسيًا/اجتماعيًا تُمارسه الدولة مع المواطنين: فكل فرد عليه أن يتمثّل الخوف، أن يشعر بالتهديد، أن يكرّر الأسطورة الأمنية، كي يظل جزءًا من النسيج الجماعي. وهذا ما يجعل إسرائيل دولة طقسية بامتياز، تعيد إنتاج نفسها عبر "طقوس الخوف".
وفي تحليله لتحولات التموضع في النظام الدولي المتغير، يرى حزيّن "كلما زاد القتل، زاد الانكشاف. وكلما اشتد الدعم الرسمي الغربي، تصاعدت المقاطعة الشعبية. وبين هذين المسارين، تتفكك الهيبة الموروثة لإسرائيل، وتظهر بوصفها دولة هشّة تمارس عنفًا لا يحميها بل يعرّيها. وهكذا، يتحول هذا الفصل من تأريخِ لِما يجري، إلى تمهيدٍ لِما لم يقع بعد: انهيار الشرعية الصلبة، وبروز ما يمكن تسميته بـ 'نهاية الاستثناء الكولونيالي' كخط أفقٍ جديد".
ويتوقف عند تحالف المال والسلاح ـ الأوليغارشية العميقة في قلب الدولة الإسرائيلية، مؤكدًا أن "في اللحظة التي تتقاطع فيها السيولة المالية مع النبض الأمني، تتخلّق بنية تُشبه الدولة من دون أن تكونها، وتتفوق عليها من دون أن تزيلها: بنية خفيّة، قابضة، متغلغلة، تُشرف لا على مجريات القرار فحسب، بل على شروط التفكير فيه... وتصبح إسرائيل، لا كدولةٍ وحسب، بل كـ 'منصة أمنية سيادية' عرضًا استثماريًا عابرًا للقومية، متعدد الأذرع، مموّلًا ومؤدلجًا في آن".
ويضيف "لا تبدأ الأوليغارشيات بانقلاباتٍ صاخبة أو شعاراتٍ أيديولوجية مفرطة الوضوح، لكنها تبدأ غالبًا بانكسارٍ داخلي، بانهيارٍ في يقين الدولة بذاتها... في الحالة الإسرائيلية، لم تكن الخصخصة في منتصف الثمانينيات مجرّد سياسةٍ اقتصادية للتكيّف مع العجز المالي، بل كانت لحظة انكسار تاريخي للنسق الاشتراكي المؤسِّس، وتمهيدًا صامتًا لتحالفٍ جديد تتشابك فيه السلطة مع رأس المال، والمعلَن مع الخفي، والبيروقراطي مع العسكري".
يتوغّل حزيّن في مفهوم "التمثيل الرمزي"، ويكشف كيف أن إسرائيل لا تُقصي الفلسطيني فقط من أرضه، بل من اللغة التي تصوغ بها ذاتها. فحتى العربي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، لا يُمنح إمكانية "التمثيل الكامل"، لأنه خارج المخيال التأسيسي للدولة "العربي موجود، لكنه لا يُمثَّل. حاضر في العمل، غائب في النشيد؛ مُقيم في الجغرافيا، مُستبعَد من الطقس؛ يستهلك القوانين، لكن لا يشارك في إنتاج اللغة الوطنية. هو الآخر داخل الذات، الغريب الذي لا يمكن استيعابه لأنه يكسر السردية من داخلها. هذا الإقصاء الرمزي لا يقل عنفًا عن الطرد المادي. إنه اغتيال للهوية من خلال اللامرئية. وبهذا، تصبح إسرائيل دولة لا تتسع حتى لمواطنيها إلا ضمن شرط واحد: أن يؤمنوا بالسردية الأمنية–التوراتية–الخلاصية ويعيدوا أداءها.
ويلفت إلى أن المواطن الإسرائيلي مقيَّد بالقيمة الدينية لا بالمساواة القانونية، ويوضح: "حين تغدو المواطَنة امتيازًا مشروطًا، لا حقًا غير قابل للتجزئة، ينتقل الكيان السياسي من مفهوم "العمومية القانونية" إلى منظومة فرز أخلاقي، تُقيِّم الأفراد لا بناءً على انتمائهم للفضاء العام، بل وفق مدى انضباطهم لمعايير دينية تأويلية... في هذا السياق، تتحوّل الدولة إلى جهاز قيمي لا قانوني، وتنشأ طبقات من 'المواطنين' متفاوتة في جدارتها الرمزية لا في حقوقها الرسمية".
ويؤكد أنه "في نظامٍ يقوم على الاستثناء، تصبح الأخلاق أداةً للمحو لا للإنصاف، وهكذا تُختزل المأساة الفلسطينية إلى هامشٍ غير قابل للدمع، وتتحوّل قيم العدالة إلى طقوسٍ فارغة تُمنح لمن يشبه المستعمِر لا لمن يتعرض لقهره... مواجهة الاستعمار لا تقتصر على إسقاط جدران الفصل العنصري، بل على خلخلة هذه البنية الأخلاقية الزائفة، وتفكيك سلطتها المعرفية التي منحت القاتل ضميرًا، ونزعت عن الضحية حتى إنسانيّتها".
يصل حزيّن إلى ذروة تحليله حين يُعرّف حالة الدولة الإسرائيلية في اللحظة الراهنة بأنها دخلت ما يسميه "منطق الرماد"، أي اللحظة التي تُكرّر فيها الدولة خطابها بلا جمهور، وتُعيد إنتاج طقوسها بلا إيمان، وتُصبح صورتها أكثر حضورًا من واقعها: "إسرائيل، بعد أكثر من سبعة عقود على تأسيسها، لم تَصِل إلى لحظة 'الهدوء الرمزي' الذي تصل إليه الدول الطبيعية، بل لا تزال تُقاتل على سردية الأصل. هذا القتال المتواصل هو ما يحوّلها إلى دولة تتنفّس الطقس وتختنق بالرمز".
ثم يُضيف توصيفًا شديد العمق: "الدولة حين تدخل زمن الرماد، لا تنهار، لكنها تصبح كيانًا يتكلّم ولا يُصغى له، يتحرّك بلا طاقة، يُشرّع بلا شرعية... تكرار الطقس نفسه، بعد كل جولة عنف، لا يُعيد إقناع الداخل ولا الخارج، بل يُثقِل المعنى ويُعرّي هشاشة المركز".
هكذا، لا يقدّم حزيّن نقدًا سياسيًا، بل رؤية رمزية لتفكيك هيبة الدولة من خلال إظهار فراغها. فرغم القوة العسكرية والاحتواء الدبلوماسي، فإن الدولة الرمزية تنهار حين يُكشَف رمزها، وتُفضَح لغتها، ويُسحب البساط من تحت خطابها المؤسِّس. ويبقى أن نشير إلى أن ما يقترحه حزيّن ليس فقط تفكيكًا نظريًا لدولة إسرائيل، بل تحديًا لأسلوب التفكير في الدولة ذاتها. فبدل أن يبدأ التحليل من السياسات، يبدأ من اللغة؛ وبدل أن ينتهي عند الاستعمار، ينطلق إلى تفكيك القداسة الرمزية التي تُلبس القمع ثوب النجاة. وهكذا، فهو ينزع القداسة عن فكرة الدولة الحديثة ذاتها، لا ليطرح الفوضى، بل ليفكّر من خارج الهالة، ومن خارج الطقس، ومن خارج الجهاز الرمزي الذي يجعل من أي نقد للدولة خطيئة لغوية قبل أن يكون فعلاً سياسيًا "الدولة ليست قدرًا. هي اختيار لغوي متكرّر. وما دمنا قادرين على اختراع لغات جديدة، فإن الرماد ليس النهاية، بل الاحتمال".