رسائل مي زيادة وأضواء على العصر

رحلت مي وحيدة ولكنها تركت بصمتها في الأدب العربي الحديث وساهمت بشكل قاطع في تطور الأدب النسوي ومراسلاتها مع أعلام عصرها واحتفاؤهم بها وبأدبها دليل قاطع على مكانتها.

من الأيادي البيض للكاتبة سلمى الحفّار الكزبري على الأدب الحديث، فضلا عن إبداعاتها ومساهماتها في مجالي القصة والشعر والترجمة هو نشرها لرسائل مي زيادة (1886/1941) المخطوطة، والتي لم تنشر مجموعة كلها قبل عمل سلمى الحفّار هذا. لقد تطلب هذا العمل الكبير جهد سنوات من البحث الدؤوب والصبر الطويل والترحال للالتقاء بالأشخاص الذين بحوزتهم هذه الرسائل المخطوطة من الأدباء والمثقفين أو من ورثة هذا التراث المهم .

تغطي هذه الرسائل الحقبة الممتدة من 1912 إلى 1941، تاريخ وفاة مي المأساوي، وهو عمل كبير من لدن سلمى الحفار الكزبري لأنه يسلط الضوء على حقبة مهمة في تاريخ تطور الأدب الحديث، وفي تاريخ الحركة النسوية العربية، والصلات بين الأدب العربي والاستعراب، ثم المرحلة الحاسمة في تاريخ مي الشخصي وهي مرحلة المرض والإقامة في المستشفى والحجر عليها من قبل أقاربها وختاما النهاية الفاجعة.

يضم الكتاب أكثر من مائتي رسالة مخطوطة جمعتها الأستاذة سلمى بلغات مختلفة كالعربية والفرنسية، والإيطالية والألمانية وقامت بتعريب الرسائل غير المكتوبة بالعربية مع إثبات الأصول، وهي الرسائل التي تبادلتها مي مع كتاب ومستعربين أمثال دي غلارزا، إيبولد فولز، ويندل كليلاند، كارلو ناللينو، يوسف شاخت، هاملتون جيب، لويس ماسينيون وغيرهم .

رسائل هذه النخبة المثقفة الغربية تكشف القيمة والمكانة والشهرة التي بلغتها مي في تاريخ الآداب الحديثة وأن شهرتها تعدت البلاد العربية إلى ديار الغرب.

في مقدمة الكتاب الذي بلغت صفحاته حوالي الخمسمائة من إصدار دار نوفل كتبت سلمى الحفار في المقدمة "ولو جمعت الرسائل التي كتبتها مي أو كتبت إليها من نوع هذا الأدب الخالص لجمعت بها ذخيرة لا نظير لها في آدابنا العربية، وربما قل نظيرها عند الأمم الأوروبية التي تصدرت فيها المرأة المجالس الأدبية إلا أن يكون ذلك في عصر الصالونات أو عصر النهضة منذ القرن السابع عشر وما قبل القرن العشرين".

تكشف الرسائل التي تبادلتها مي مع أعلام عصرها عن تقدير بالغ لشخصها ومكانتها الأدبية وهي الكاتبة التي أتقنت عدة لغات أوروبية ومارست الكتابة بالعربية والفرنسية وترجمت بعض المؤلفات الغربية مثل كتاب الحب الألماني لماكس مولر عن الألمانية، وقد تضمن الكتاب صورا فوتوغرافية لهذه المراسلات بلغاتها المختلفة، وتكشف صور رسائل العربية خاصة جمال الخطوط مثل خط مي الفارسي، وحرص الكتاب على الناحية الجمالية في رسائلهم مع أناقة الشكل وغنى المضمون وبذل الأشعار للتعبير عن العواطف كقول حبر ضومط مخاطبا مي في إحدى رسائله:

حدثينا يانسيمات الصبــــــــــــاح

عن زمان قد مضى في عهد مي

وشعر مصطفى صادق الرافعي الذي يكشف عن عواطف قوية وأحاسيس دافقة بالحب والهيام:

يا نسمة في ضفاف النيل سارية

مسرى التحية من ناء إلى نـــائي

يا ليت ريّاك قد مست قلب هاجرتي

فتشعريه بمعنى رقة المـــــــــــــاء

ليست تحب سوى أن لا تحب فما

أعصى الدواء على من حبه دائي

أو شعر ولي الدين يكن:

يا مي بنت الأقلام والكتــــــب

كالشمس بين الأقمار والشهب

أحييت عهد القريض والأدب

جددت للعصر رونق العرب

تكشف الرسائل التي تبادلتها مي مع أعلام عصرها عن تقدير بالغ لشخصها ومكانتها الأدبية

ورسائل كثيرة كتبتها مي إلى أعلام عصرها أو تلقتها منهم كيعقوب صروف، ولي الدين يكن، شبلي الشميل، أنطون الجميل، جبران خليل جبران، شبلي الملاط، إميل زيدان، عبدالقادر حمزة، جبر ضومط، أنستاس ماري الكرملي، خليل مطران، مصطفى صادق الرافعي، توفيق الحكيم، شكيب أرسلان، فارس الخوري، الشاعر القروي، أنيس المقدسي، عبدالوهاب عزام، شيخ الفلاسفة مصطفى عبدالرازق، كامل كيلاني، أحمد حسن الزيات وغيرهم.

بينما يلحظ القارئ العارف غياب رسائل العقاد إلى مي ورسائلها إليه، فالعقاد كما هو معروف أحب ميّاً وكتب في هذا الحب قصائد عديدة، وفي رواية سارة للعقاد حديث عنها وقد صرح مرة "إنه يحي ميًّا ويشتهي سارة".

وبكل تأكيد إن قارئ هذه الرسائل يقف على درجة القرابة الروحية والمودة العميقة التي ربطت بين مي ويعقوب صروف منشئ مجلة المقتطف التي كانت مي تكتب فيها وهي تخاطبه تارة بقيصر القياصرة وتارة أخرى بفرعون الصغير وتوقع هي توت عنخ آمون، وقد ساهمت مي في الكتابة الأدبية في المقتطف والهلال ومختلف مجلات وجرائد ذلك العصر كالرسالة والمحروسة بطلب من أصحابها، كما تكشف هذه المراسلات خاصة الرسائل التي تبادلتها مع إميل زيدان ويعقوب صروف  ومراسلاتها مع رؤساء الجمعيات الثقافية والجامعات يدعونها لإلقاء المحاضرات، وقد كانت ملء السمع والبصر، يومها بل من المستعربين من كان ينتظر وصولها إلى أوروبا أثناء العطلة الصيفية للقائها خاصة إلى لندن وباريس وجنيف وروما وإلى الشام ولبنان، كل ذلك يكشف عن مكانة مرموقة واحتفاء بهذه النابغة كما كانت تدعى في ذلك الوقت.

وهناك رسائل خاصة تبادلتها مع جبران لم يشملها كتاب "الشعلة الزرقاء" الذي اختص برسائل جبران إلى مي، ولا شك أن المطلع على هذه الرسائل يقف على دور مي في تطور الأدب النسائي ودورها في تنشيط وتفعيل وإثراء الحركة النسوية كالمطالبة بحق المرأة في التعليم وفي اختيار الشريك والممارسة الإبداعية وحرية التصرف فيما هو ملك لها كما تكشف ذلك الرسائل المتبادلة بينها وبين باحثة البادية ملك حفني ناصف وماري يني عطا الله وروز اليوسف.

واحتوى الكتاب صورا لرسائل هي بمثابة وثائق مصورة لمحنة مي منذ وفاة والدها 1926 ثم والدتها عام 1931 ومأساتها مع آل زيادة وصولا إلى الحجر عليها وعلى ممتلكاتها وحساباتها بالبنوك ومكتبتها واتهامها بالجنون وإدخالها إلى المستشفى في لبنان ثم هبة جماعة من الأدباء المثقفين لنجدتها أمثال المحامي مصطفى مرعي الذي نجح في فبراير/شباط 1939 في رفع الحجر عنها ورفض بشهامة تلقي أتعاب المرافعات.

كما تكشف هذه الرسائل عمق الصلة بين مي ووالديها وأنها بفقدهما فقدت السند والعائل وهي وحيدة والديها بلا أخ أو أخت أو زوج، خاصة وهي في ثقافتها تميل إلى المثل والقيم وتؤثر الروحانيات على الجانب المادي، فلم تكن تطلب أجرا لقاء المقالات التي كانت تكتبها في الصحف والمجلات الأدبية بل كان رؤساء التحرير هم الذين يقدمون المقابل، ولم تكن تشترط مبلغا محددا، كما أنها لا تميل إلى البهرج والزّخرف في الحياة وتؤثر النظر إلى عمق الأشياء وهي بلا شك عميقة النظر في معضلات الوجود كالموت والحياة والخير والشر، وطبائع البشر واختلافها بين القبح والجمال والأثرة والإيثار والحقد والحسد والتضحية والمحبة الخالصة، والأهداف والمطامع الخسيسة، وهي تميل خاصة نحو الحزن وعدم الثقة بالبشر ولذا تؤثر الوحدة مع كتبها أو الخلوة مع الطبيعة أو صحبة أصحاب العقول الممتازة، فعن زيارة الأقارب لبيتهم كانت تعترض لأنهم كانوا – كما كتبت في إحدى رسائلها ليعقوب صروف - يريدونها أن "أرى أحذيتهم اللمّاعة وأعد ذلك من أحسن ما عندهم"، وهي إن لم تتزوج فإنها تقدس الحياة الأسرية وتحترم الزواج وتود السعادة في كنف زوج تختاره، ولكنها كما كتبت "لن أتزوج قط على غير رضا والدي، وأن أحتفظ لنفسي بحق الرفض"، فأمها كما كتبت في رسالة إلى يعقوب صروف تريد عريسا غنيا صحيحا، لكن هي لا تنظر إلى الصحة الجسدية والجانب المادي فقط بل تؤثر شيئا آخر كالتناغم الروحي بين الزوجين  فهي لا تستسلم أبدا إلى مقاييس الناس ومعاييرهم الاجتماعية بل تكفر بها ولذا آثرت العزوبية مدى العمر.

انتهت مي نهاية مأساوية فجائعية في المستشفى عام 1941 بعد مرحلة عطاء وتوهج أذهل الشرق والغرب وإبداع حقق تطورا في الأدب النسوي وحقق لصاحبته ريادة فيه واحتراما بالغا من أدباء وأعلام العصر في الشرق والغرب، فقد كانت الصحف مثلا ترسل المصورين لالتقاط صور لنابغة الشرق وتزيين صحفهم ومجلاتهم بها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها كانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس كما كان المتنبي في عصره، ولكن في العمق كانت مي تطوي أجنحتها على جراحها الداخلية وتنزف باستمرار لضعف ثقتها بالطبيعة البشرية وزيف المعايير الاجتماعية وما تنطوي عليه من بلادة وزيف ونفاق وارتماء في أحضان المادة وسفاسف الواقع وهذا ما جعلها ترفض الزواج بسبب رفضها أن تكون ملكا لأحد على قاعدة التبعية والإمعية، مجرد آلة للإنجاب ودمية للإمتاع وأن تزهق الكرامة البشرية والروح المقتبسة عن الذات الإلهية لقاء رفاه ورياش وكماليات وزواج الأعراف والقيم الاجتماعية المصنعة. ولقد كانت مأساة مي هي مأساة النبوغ كما عنونت ذلك سلمى الحفار الكزبري في كتاب خاص عنها، تعلقت بوالديها إلى حد الوله وظل الوالدان يشكلان الحماية والدعم النفسي الذي يحيط البنت بأسوار الحب والحماية حتى إذا رحل الوالدان صارت الروح أطلالا كما كتبت في إحدى رسائلها وهي المتوجسة خيفة من طبيعة البشر ومن مطامعهم، خاصة ما جرى لها مع آل زيادة، فجر عليها ذلك متاعب وأدواء وأسقام أدخلتها المستشفى وأصابتها بمختلف الأمراض العصبية والنفسية، وهي نهاية منتظرة-  شأن كثير من النوابغ أصحاب الحساسية المفرطة - لنفس حساسة في وسط مادي أناني جشع لا يهتم بالروح والإبداع والنبوغ وتلك مأساتها الكبيرة.

رحلت مي وحيدة ولكنها تركت بصمتها في الأدب العربي الحديث وساهمت بشكل قاطع في تطور الأدب النسوي ومراسلاتها مع أعلام عصرها واحتفاؤهم بها وبأدبها دليل قاطع على مكانتها كما تكشف جليا هذه الرسائل، وهذا الكتاب المزدان بصور الرسائل يكرس حقا المكانة الكبيرة لنابغة الشرق والغرب، ويحفظ إرثها الأدبي.