'صوت هند رجب'… أنين الطفولة في وجه الفناء من البندقية إلى الأوسكار
في ليل غزة الطويل، ارتفع صوت طفلة صغيرة يطرق جدار العالم. هند رجب، ذات الخمس سنوات، سجّلت آخر أنفاسها المحاصرة وسط لهيب القصف، كأنها كانت تعرف أن الصوت قد يصبح أثمن من الجسد، وأن الصدى قد يظل حاضرًا حين يختفي صاحبه.
كانت في سيارةٍ مثقوبة بالرصاص، تبحث عن هواء وتستغيث. ظل صوتها عالقًا في الخطوط الهاتفية اثني عشر يومًا، قبل أن يُعثر عليها جسدًا ممزقًا بـ355 رصاصة، أحدثت ما يشبه الثقوب في ضمير الإنسانية بأسرها. هنا تتوقف الأرقام عن كونها مجرد إحصاءات، وتتحول إلى جراح مفتوحة على الورق والذاكرة.
جاء فيلم "صوت هند رجب" ليحمل هذه الصرخة، ويحوّلها إلى مشاهد مصوّرة يواجه بها العالم نفسه. ارتقت الكاميرا بالحدث إلى شهادة حيّة تعاند النسيان. ومع حضور نجوم عالميين إلى جانب المخرجة التونسية كوثر بن هنية، بدا أن السينما اختارت أن تصطفّ مع الحقيقة، لا مع الصمت.
وفي مهرجان البندقية، حين صعد الفيلم إلى منصة الأسد الذهبي، كان المشهد أبعد من احتفاء فني. الجائزة تحوّلت إلى نقشٍ في سجل الضمير العالمي، ورسالة واضحة بأن الدم الفلسطيني لا يغيب، وأن الحقيقة، مهما طال عليها الركام، تعرف طريقها إلى النور.
القتل لم يتوقف عند هند، فالمشهد الفلسطيني يفيض بمآسٍ متكررة. إنه مشروع منظم يطارد كل ما يتنفس: الأطفال والنساء، البيوت والمدارس، المستشفيات والأسواق. لغة الموت واحدة، والرصاص توقيع الاحتلال. لا قناع يجمل هذه المأساة؛ فهي حرب اقتلاع وطمس، تُجرد الحياة من حقها الأول في البقاء.
صوت هند لم ينطفئ مع انقطاع أنفاسها. ما زال يتردّد في القاعات، على الشاشات، وفي الضمائر التي لم تُغلق أبوابها. صار نداءً يرافق كل من يشاهد الفيلم، ويحوّل المأساة الفلسطينية إلى تجربة شخصية في قلب كل إنسان يحتفظ بذرة حياة.
فاز فيلم "صوت هند رجب" لمخرجته التونسية كوثر بن هنية، لأنه وصيّة طفلة خرجت من بين الركام لتقول للعالم: العدوان قادر على إسقاط الأجساد، لكنه أعجز من أن يُخرس الحقيقة.
هزّ الفيلم مهرجان البندقية بتصفيقٍ تاريخي تجاوز 23 دقيقة وسط دموع الحضور، فحجز موقعه بين أبرز الأعمال المرشّحة لنيل جائزة الأوسكار.