العالم في مواجهة إرهاب إيران العابر للحدود

القمعُ العابرُ للحدود يعمل كأداةٍ من أدواتِ الحكم الأمنيّ للنظام الإيراني.

مع أنَّ التغريدَ خارج السرب أو السباحةَ ضدّ التيّار ليس بالأمر السهل والمتيسّر للقيام به، لكن يبدو واضحًا أنّ النظامَ الإيرانيّ يصرّ على ذلك، وحتى أنّه يتمادَى في ذلك أكثر فأكثر مع مرور الأيام.
البعدُ الدينيّ–العقائديّ للنظام الإيراني المبنيّ على أساسِ نظرية ولاية الفقيه جعلَ قادةَ هذا النظام يؤمنون، وليس يشعرون فقط، بأنّهم "النخبةُ المحقّة" دائمًا. ولِكونِ مرشدِ النظام يستمدّ شرعيةَ سلطته من السماء، فإنّ للنظامِ الحقَّ المُشرع في قتلِ وإبادةِ كلّ إيرانيٍ يقف ضده. لكنّ المثيرَ والملفتَ للنظر كثيرًا، هو أنّ هذا النظام، وبعد أكثر من أربعة عقود من الحكم، لم يتجه إلى نوعٍ من الانفتاح على العالم والتخفيف من "عنجهيته المتشدّدة"، بل أصرّ على الذهاب أبعد من ذلك، ليصبحَ الإيرانيُّ المعارض المقيم في الشتات أيضًا هدفًا للقتلِ والإبادة!

إعدامُ آلافِ السجناء السياسيين في صيف عام 1988، بسببِ ما حملوه من أفكارٍ ومبادئَ مختلفة عن النظام، لم تكن نهايةَ مطافِ عملياتِ القمعِ والإبادةِ بحقّ المعارضين السياسيين، بل كانت بمثابة البداية. ومع الأخذ في الاعتبار عملياتِ القتلِ المتسلسل للنخب الفكرية والفنية والاجتماعية في العقدِ الأوّل من الألفية الماضية باعتبارها سعيًا لجعل المجتمعِ الإيراني ذي اتجاهٍ فكريّ واحد، فإنّ قبضةَ النظامِ الحديدية لم تقف عند هذا الحدّ، بل تحرّكت وخلال العقدِ الثامن بشكلٍ خاص لتصفيةِ رموزٍ إيرانية معارضةٍ للنظام في البلدان الأوروبية.

أما في الألفية الثالثة بعد الميلاد، فإنّ النظام الإيراني واصل حصاده العقائديّ في الخارج، وكانت ذروةُ ذلك سعيه لتفجير مكانِ التجمع السنوي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (الجناحُ السياسيُّ لمنظمةِ مجاهدي خلق) في باريس، حيث كان يحضُرُه عشراتُ الآلاف من الإيرانيين إلى جانب شخصياتٍ سياسيةٍ دولية. ومع أنّ المشاركين في تلك العمليةِ الإرهابية، وفي مقدمتهم أسدالله أسدي، السكرتير الثالث السابق في السفارة الإيرانية في النمسا، قد تمّ إلقاءُ القبض عليهم ومُحاكمتهم وإصدارُ الأحكامِ بسجنهم، فإنّ طهران لم تتوقّف وبادرت إلى محاولةِ اغتيال نائبِ رئيس البرلمان الأوروبي السابق أليخو فيدال كوادراس في إسبانيا، إضافةً إلى التهديدِ باغتيال مسؤولين أميركيين. حتى إن إصدارَ محكمةٍ في بونتواز بفرنسا حكمَها في قضيةِ الهجوم على مبنىٍ تابعٍ لأنصارِ المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية شمالَ باريس، حيث أَدانت ثلاثةَ عملاءٍ تمّ تجنيدُهم من قبل وزارةِ المخابرات الإيرانية وأصدرت بحقّهم أحكامًا بالسجن، لا يبدو أنّه جعل النظامَ الإيرانيَّ يرعوى ويتخلّى عن نهجه القمعيّ التعسّفيّ هذا.

ويبدو واضحًا أنّ هذه الممارسات غير المألوفة وغير المسبوقة باتت لا تلفتُ أنظارَ دولِ العالم فحسب، بل تدفعها أيضًا للعمل من أجل مواجهتها، ولذلك فإنّ البيانَ الصادرَ عن مجموعة السبع (G7) وشركائها ضمن "آلية الردّ السريع" يعتبر بمثابة مرحلةٍ جديدة في مواجهة المجتمع الدولي للسلوكيات التخريبية التي تنتهجها السلطةُ الحاكمة في إيران. في هذا البيان، الذي صدر في 12 سبتمبر 2025 عن كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب أستراليا ونيوزيلندا، تمّ إدانةُ الأنشطة العابرةِ للحدود التي تقوم بها أجهزةُ مخابراتِ النظام الإيراني باعتبارها تهديدًا خطيرًا للأمن الدولي وسيادة الدول. ويعكس هذا الموقفُ إجماعًا دوليًا ضد نمطٍ يمكن تسميته "الإرهابُ والقمعُ العابرُ للحدود".

وفي هذا الإطار، يعمل القمعُ العابرُ للحدود كأداةٍ من أدواتِ الحكم الأمنيّ للنظام الإيراني؛ أداةٍ لا تهدف فقط إلى إسكاتِ المعارضين، بل إلى بثّ الخوف وخلقِ حالةٍ من الردع بين مجتمعاتِ المهاجرين والمنفيين. وقد لوحظ هذا النمطُ تاريخيًّا في سلوك أنظمةٍ استبداديةٍ أخرى، لكن اتساعَه واستمراريتَه في السياسة الخارجية لهذا النظام تمثّل أحدَ التحدياتِ الجسيمة للمجتمع الدولي.

ويشير بيانُ مجموعةِ السبع أيضًا إلى محاولاتِ النظام الإيرانيّ لجمعِ وكشفِ المعلوماتِ الشخصية للصحفيين. هذا الإجراءُ هو في الواقع امتدادٌ لمنطقِ القمع نفسه، ولكن مع التركيزِ على إسكاتِ صوتِ الإعلامِ المستقلّ والحدّ من إمكانيةِ النقد. فالصحفيون الذين يكشفون عن انتهاكاتِ حقوق الإنسان أو الفسادَ المنهجيّ، خاصة خارج حدودِ إيران، يصبحون هدفًا للمضايقات والتهديدات.

بالإضافة إلى ذلك، تشيرُ إشارةُ البيان إلى "زرعِ الانقسام داخل المجتمعات" إلى أنّ نطاقَ الأنشطة التخريبية للنظام الإيراني يتجاوز الحدودَ السياسيةَ البحتة ليمتدّ إلى المجالات الاجتماعية والثقافية. مثلُ هذه السلوكيات، بحسب منظّري الأمن الدولي، هي مثالٌ واضح على "التهديداتِ الهجينة"؛ أي مزيجٌ من الأدوات التقليدية وغير التقليدية التي تهدف إلى زعزعةِ استقرارِ المجتمعات والدول الأخرى.