انفتاح عراقي متزايد على الإمارات ضمن رؤية شراكة اقتصادية أوسع
أبوظبي - أجرى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الأربعاء، مباحثات رفيعة المستوى مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تناولت تطوير التعاون بين البلدين، خصوصاً في مجالات الاقتصاد، والطاقة، والبنية التحتية، والنقل في زيارة رسمية تعكس توجهات السياسة العراقية الجديدة نحو الانفتاح الاقتصادي والشراكة الإقليمية خاصة مع دول الخليج.
وجاء اللقاء الذي عقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، في سياق التقارب العراقي الخليجي المتسارع، ويُنظر إليه كخطوة محورية في مساعي الحكومة العراقية لتنشيط الاستثمارات وتعزيز الشراكات الاستراتيجية ضمن إطار عربي شامل. وتبرز الإمارات في هذا السياق كشريك رئيسي، بالنظر إلى ما تمتلكه من قدرات استثمارية متقدمة، وخبرة واسعة في ميادين التنمية المستدامة.
وأكدت مصادر رسمية أن المباحثات بين الجانبين ركزت على "تعزيز التعاون في ما يخص طريق التنمية الإستراتيجي في إطار الاتفاق الرباعي الخاص بالطريق"، الذي يربط العراق بمحيطه الإقليمي، ويهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز لوجستي حيوي يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا. ويعد هذا المشروع ركيزة أساسية في خطط العراق الاقتصادية المستقبلية، حيث يراهن عليه لتقليص اعتماده على العائدات النفطية وتأسيس بنية تحتية متقدمة للنقل والتجارة.
وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء العراقي، فقد أعرب السوداني خلال اللقاء عن حرص بغداد على بناء علاقات متينة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بما يتماشى مع رؤية الحكومة القائمة على الانفتاح السياسي والاقتصادي وتفعيل فرص التعاون المتبادل مع الدول الشقيقة والصديقة.
من جانبه، أشاد الشيخ محمد بن زايد بالجهود التي تبذلها الحكومة العراقية على صعيد إعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار الداخلي، وتعزيز الأمن الإقليمي، مؤكداً دعم الإمارات للعراق في هذه المسارات، واستعدادها لتوسيع مجالات الشراكة بما يخدم مصالح البلدين.
وأفادت وكالة الأنباء الإماراتية "وام" أن اللقاء شهد نقاشاً معمقاً حول العلاقات الثنائية، وسبل تعزيزها، خصوصاً في القطاعات الاقتصادية والتنموية. كما تبادل الطرفان وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تطورات المشهد في الشرق الأوسط، وأهمية دفع الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى تحقيق سلام دائم وشامل، وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
كما جدد الزعيمان التأكيد على أهمية توسيع العمل العربي المشترك، في ظل التحديات التي تمر بها المنطقة، مع التشديد على ضرورة تنسيق المواقف من أجل مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.
وتأتي زيارة السوداني للإمارات ضمن سلسلة من التحركات الإقليمية والدولية التي تقودها الحكومة العراقية بهدف استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتنويع الشراكات الاقتصادية. وتحتل الإمارات موقعاً بارزاً في هذا السياق، كونها من أكثر الدول العربية قدرة على الدفع بالمشاريع الاقتصادية الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والنقل الحديث.
ويبرز الاهتمام الإماراتي بالعراق من خلال مشاركتها الفاعلة في المعارض والمؤتمرات ذات الصلة بإعادة بناء البنية التحتية العراقية. وتزامنت زيارة السوداني مع انعقاد النسخة الثانية من المعرض والمؤتمر العالمي للسكك الحديدية والنقل والبنية التحتية (غلوبال ريل 2025) في أبوظبي، والذي شارك فيه وفد عراقي رسمي، إلى جانب عدد من الدول العربية.
وفي جلسة حوارية ضمن فعاليات المعرض، تحدث وزير النقل العراقي رزاق محيبس السعداوي عن أهمية "طريق التنمية" كأحد أعمدة السياسة الاقتصادية الجديدة للعراق، موضحاً أن المشروع يهدف إلى خلق اقتصاد متوازن، بعيداً عن الاعتماد الريعي على النفط، وقادر على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
ويُنظر إلى هذه التحركات العراقية، وفي مقدمتها زيارة السوداني إلى الإمارات، كجزء من محاولة بغداد الخروج من دائرة النفوذ الإيراني التي سيطرت على القرار السياسي والاقتصادي العراقي خلال السنوات الماضية، وأسهمت في إضعاف علاقاته مع الدول العربية.
وقد فرض هذا النفوذ نوعاً من العزلة على العراق عن محيطه العربي، ما أدى إلى تراجع حضوره الإقليمي. إلا أن الحكومة الحالية، ومنذ تسلمها مهامها، تبذل جهوداً واضحة لإعادة صياغة السياسة الخارجية العراقية على أسس متوازنة، تراعي المصالح الوطنية وتبتعد عن الانجرار خلف صراعات المحاور الإقليمية والدولية.
وتُظهر زيارة السوداني لأبوظبي رغبة واضحة في تعزيز الحضور العراقي ضمن المحيط العربي والخليجي، والانخراط في مشروعات اقتصادية عابرة للحدود، مثل "طريق التنمية"، الذي يتطلب تنسيقاً واسعاً بين عدة دول لضمان نجاحه واستدامته.
وتُعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الإمارات خطوة استراتيجية في مسار إعادة تموضع العراق على الساحة الإقليمية، وتأكيداً على التوجه الجديد للحكومة نحو الشراكات الاقتصادية الفاعلة، بعيداً عن الاصطفافات الجيوسياسية. وبالنظر إلى الدعم الإماراتي المتواصل، والفرص الكبيرة المتاحة للتعاون، فإن الشراكة بين بغداد وأبوظبي مرشحة لأن تتحول إلى نموذج ناجح للتعاون العربي في مرحلة ما بعد الأزمات.