الجزائر تقيل سفيرها في بيروت بعد تصريحات مسيئة لترامب

السفير الجزائري كمال بوشامة يصف ترامب بـ'راعي البقر' و'المريض النفسي'، معتبراً أن 'مكانه الطبيعي مستشفى للأمراض العقلية وليس قيادة أكبر قوة في العالم'.
الجزائر اعتبرت ما قاله السفير خروجا عن الإطار الدبلوماسي ورأيا شخصيا لا يلزم الدولة

الجزائر - قررت السلطات الجزائرية، هذا الأسبوع، إنهاء مهام سفيرها في بيروت، كمال بوشامة، وذلك على خلفية تصريحات غير دبلوماسية وصف فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"راعي البقر" و"المريض النفسي"، معتبراً أن "مكانه الطبيعي مستشفى للأمراض العقلية وليس قيادة أكبر قوة في العالم".
القرار الذي جاء سريعاً بعد تداول تلك التصريحات، كشف عنه موقع "تي سي أ" (كل شيء عن الجزائر) نقلاً عن مصدر رسمي، مؤكداً أن الموقف العلني للسفير لا يعكس الخط الرسمي للدولة الجزائرية، التي اعتبرت ما قاله "خروجا عن الإطار الدبلوماسي" و"رأيا شخصيا لا يلزم الدولة الجزائرية". وأضافت المصادر أن بوشامة "ابتعد عن الثوابت والقيم التي تميز الدبلوماسية الجزائرية"، ما أدى إلى اتخاذ قرار إقالته دون تردد.

وكان بوشامة قد عُين سفيراً لدى لبنان في فبراير/شباط الماضي، قبل أن يُعتمد كذلك سفيراً غير مقيم لدى قبرص في مايو/أيار، مع إقامة دائمة في بيروت.
ويأتي هذا التطور في وقت حساس، حيث تحاول الجزائر إعادة ترتيب علاقاتها الدولية بعناية، خاصة مع إدارة الرئيس ترامب رغم اعترافه بمغربية الصحراء في عهدته الأولى وهو أمر أثار غضب الجزائريين.
الجزائر وإن لم تُبدِ حماسة كبيرة تجاه إدارة ترامب خلال ولايته الأولى، إلا أنها اليوم "تضع حسابا لردود فعله ولا تريد الدخول في أزمة دبلوماسية مع واشنطن"، خصوصاً وسط تحولات جيوسياسية إقليمية ودولية تفرض على الجزائر الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة مع القوى الكبرى.
ويُقرأ قرار إقالة السفير بوشامة في هذا السياق، باعتباره رسالة واضحة من الجزائر بأنها ليست في وارد الدخول في مواجهة دبلوماسية جديدة مع واشنطن، خاصة في ظل إشارات إيجابية بعثتها إدارة ترامب مؤخراً تجاه الجزائر، تمثلت في رسالة تهنئة من الرئيس الاميركي بمناسبة الذكرى الـ63 لاستقلال البلاد، أكد فيها على "الشراكة المستدامة" بين البلدين، وعلى أهمية التعاون في مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، وتطوير فرص التجارة والاستثمار.
ورغم أن العلاقات الجزائرية الأميركية اتسمت بفتور نسبي في السنوات الأخيرة، خاصة منذ اعتراف إدارة ترامب بـ"مغربية الصحراء"، إلا أن هناك بوادر تقارب جديدة ظهرت على السطح. إذ شهدت الفترة الأخيرة توقيع مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري بين الجزائر و"أفريكوم"، القيادة الأميركية في إفريقيا، وهو ما اعتُبر مؤشراً على نية الطرفين استئناف علاقات التعاون العسكري والأمني في ملفات حساسة.
كما استقبلت الجزائر خلال الأسابيع الماضية وفوداً من شركات الطاقة الأميركية الكبرى مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون"، في إطار اهتمام متزايد من الشركات الأميركية بالفرص الاستثمارية في قطاع الطاقة الجزائري، وهو ما يُفسح المجال، بحسب مراقبين، لـ"فسح المجال للاستثمارات الأميركية" ضمن سياسة تنويع الشركاء الاقتصاديين التي تتبناها الجزائر في المرحلة الراهنة.
لكن في المقابل، لا تزال هناك ملفات عالقة تعيق إعادة الدفء الكامل للعلاقات بين الجزائر وواشنطن. أبرزها الموقف الأميركي من قضية الصحراء المغربية، والذي ما زال موضع رفض في الجزائر، إلى جانب "اعتبار واشنطن علاقات الجزائر بروسيا وكذلك إيران وفتح البلاد للاستثمارات الصينية مسار لا يخدم جهود إعادة الدفء لعلاقات واشنطن بالجزائر في المرحلة الحالية".
وتحرص السلطات الجزائرية من جانبها على الحفاظ على هامش واسع من الاستقلالية في سياستها الخارجية، لكنها، في ذات الوقت، لا تغفل أهمية تحسين علاقتها مع واشنطن، خصوصاً في ظل الوضع الجيوسياسي المضطرب إقليمياً والدفع الأميركي لتقليص نفوذ خصومه التقليديين، خاصة الصين وروسيا، في إفريقيا.
ويبعث قرار إقالة السفير بوشامة برسالة واضحة إلى واشنطن بأن الجزائر لا ترغب في التصعيد، وتسعى لاحتواء أي انزلاق قد يُفسد فرص التهدئة وإعادة بناء جسور الثقة بين البلدين. كما يعكس حرص الحكومة الجزائرية، وخصوصاً الرئيس عبدالمجيد تبون، على عدم السماح لأي تصريحات غير محسوبة أن تُفقد الجزائر ما تعتبره فرصة لإعادة التموضع مع واشنطن.