عملية الإصلاح السياسي ناقصة في لبنان مع ضعف تمثيل المرأة حزبيا
بيروت - رغم حصول المرأة اللبنانية على حق التصويت والترشح منذ أكثر من 70 عامًا، لا تزال تمثيلها في الحياة السياسية ضعيفًا، بحسب ما كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان ومكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان "يونسكول" في دراسة بعنوان: "المرأة اللبنانية: من المشاركة السياسية إلى القيادة الحزبية"، مشيرة أنه منذ عام 1953، لم تصل إلى البرلمان اللبناني سوى 17 امرأة، مما يُبرز مدى صعوبة تحقيق التمثيل الديمقراطي المتساوي في البلاد.
وتُسلّط الدراسة التي تعتبر الأولى من نوعها، الضوء على حضور المرأة داخل الأحزاب السياسية الرئيسية الثمانية في لبنان. وتكشف عن التقدم المُحرز والفجوات المستمرة في عضوية المرأة، وترشّحها، وترشيحها، ووصولها إلى المناصب القيادية، مع طرح خطوات واضحة وقابلة للتنفيذ لتعزيز المساواة وترسيخ الديمقراطية قبل الانتخابات البرلمانية لعام 2026.
وقالت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد نيابة عن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، "إن تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية ليس مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل هو شرطٌ أساسي لبناء ديمقراطية متوازنة تُعطي وطننا صورةً أكثر عدلًا وتمثيلًا لتنوعه الاجتماعي والثقافي. إن نجاح أي عملية إصلاح سياسي يبقى ناقصًا ما لم تكن المرأة شريكةً كاملةً في رسم المستقبل".
وكشف البحث أن النساء يشكلن ما بين 15 و58 بالمئة من أعضاء الحزب، بمتوسط 35 بالمئة. ومع ذلك، تتراجع هذه الأعداد في المستويات العليا: فغالبًا ما تشغل النساء أقل من 20 بالمئة من المناصب العليا، و5 بالمئة فقط من المناصب التنفيذية العليا. وبينما ارتفعت نسبة ترشيح النساء بشكل طفيف من 12.1 بالمئة عام 2018 إلى 15.7 بالمئة عام 2022، لم تُنتخب سوى خمس نساء من قوائم الأحزاب عام 2022.
ويتطلب تعزيز مشاركة المرأة في العمل السياسي في لبنان جهودًا متكاملة بين الحكومة، الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، من خلال تعديل القوانين وإصلاح النظام الانتخابي، بالإضافة إلى خلق بيئة سياسية شاملة تدعم مشاركة النساء الفعالة في صنع القرار.
وقالت جينين هينيس-بلاسخارت، منسقة الأمم المتحدة الخاصة في لبنان "العوائق موجودة، وهي حقيقية جدًا. والخبر السار هو أن الدراسة حددت العديد من فرص العمل، بدءًا من الأولويات التشريعية والتغييرات في السياسات داخل الأحزاب السياسية، وصولًا إلى المبادرات الأوسع نطاقًا، مثل دعم التمويل أو الترتيبات المرنة. وبالتأكيد، مع اقتراب انتخابات عام 2026، لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لاغتنام هذه الفرص".
وتوجد وراء هذه الأرقام حواجز نظامية، تتمثل بعمليات اختيار المرشحين غير الشفافة التي تهيمن عليها دوائر قيادية صغيرة، وضعف تطبيق حصص الأحزاب الطوعية، والسياسات الداخلية المحدودة لمكافحة التحرش الجنسي، وعدم المساواة في الوصول إلى التمويل ووسائل الإعلام، وغياب الترتيبات الصديقة للأسرة.
ويمثل البحث مرآة وخريطة طريق في آنٍ واحد. فهو يعكس الواقع الذي تواجهه المرأة داخل الأحزاب السياسية اللبنانية، ويحدد خطوات عملية للمضي قدمًا. إذ أن تعزيز المشاركة السياسية للمرأة لا يقتصر على تحقيق العدالة فحسب، بل يشمل أيضًا تجديد الحياة السياسية وتعزيز الديمقراطية في لبنان، كما قالت جيلان المسيري، ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان.
ويحث البحث على إجراء إصلاحات ملموسة من قبل الأحزاب السياسية والمؤسسات والشركاء الدوليين، بما في ذلك اعتماد تدابير خاصة مؤقتة مثل حصص الجنسين؛ وإدخال آليات ترشيح شفافة وقابلة للتنفيذ؛ وتطوير وتطبيق سياسات قوية لمعالجة العنف والتحرش ضد المرأة في السياسة؛ وضمان حصول المرأة على تمويل الحملات الانتخابية ووسائل الإعلام بشكل عادل.
في كلمته خلال الفعالية، قال السفير هاميش كويل، سفير المملكة المتحدة في لبنان "تفخر المملكة المتحدة بشراكتها مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة لتعزيز تمثيل المرأة في الحياة السياسية في لبنان. وبناءً على نجاح المرشحات في الانتخابات البلدية الأخيرة، نأمل أن نرى تمثيلًا أكبر للمرأة في نتائج الانتخابات البرلمانية في مايو 2026. يُعدّ هذا المؤتمر خطوةً مهمةً نحو تمثيل سياسي أكثر شمولًا في لبنان".
وتأكيدًا على هذه الدعوة، أضاف غريغوري غاليغان، سفير كندا في لبنان "تفخر كندا بدعم المبادرات التي تُعزز صوت المرأة في الحياة السياسية اللبنانية. إن وجهات نظر المرأة وأفكارها وقيادتها تُعزز الديمقراطية وتساعد المجتمعات على رسم مسار أكثر استقرارًا وازدهارًا. ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية لعام 2026، نشجع جميع الأحزاب السياسية على ترشيح المزيد من المرشحات، وضمان أن تكون أصوات النساء ورؤيتهن محورية في النقاشات الوطنية. وستظل كندا شريكًا ملتزمًا في تعزيز المساواة بين الجنسين والحوكمة الشاملة في لبنان".
وقدّم البحث قاعدة أدلة حاسمة لتوجيه الإصلاحات. ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية عام 2026، يُتيح هذا البحث فرصةً سانحةً لإطلاق حوارٍ ودفع عجلة الحوكمة الشاملة، بما يُنعش الحياة السياسية ويُعزّز الديمقراطية في لبنان، تماشيًا مع التزامات لبنان بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالإضافة إلى أولويات أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس الذي يُركّز على تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة كأولوية مُلحّة للسلام والتنمية.
وتتوافق هذه الدراسة مع ما ورد في التقرير السنوي لـ"المنتدى الاقتصادي العالمي" الصادر عام 2018. الذي ذكر أن لبنان يحتاج إلى سدّ 97 في المئة من الفجوة بين الجنسين في هذا المجال السياسي، كما لا يزال عليه ردم 90 في المئة من الفجوة لناحية تبوّؤ النساء المناصب القيادية في العمل.