بريطانيا تسعى لحوار مباشر مع حزب الله لإقناعه بنزع السلاح

مصادر تؤكد أن 'جوناثان باول' المستشار السابق لبلير مرشح لمهمة فتح حوار مع حزب الله في منافسة مع النفوذين الأميركي والفرنسي.
تصنيف حزب الله كمنظمة ارهابية في بعض العواصم الغربية لا يمنع لندن من فتح حوار معه
بريطانيا تقدم نفسها كوسيط عقلاني قادر على التحدث مع مختلف الأطراف
التحرك ليس معزولًا عن إعادة التموضع البريطاني سياسيا في مرحلة ما بعد بريكست

بيروت/لندن - تدخل بريطانيا بقوة على خط الأزمة اللبنانية من زاوية جديدة، عبر محاولة فتح قناة تواصل مباشرة مع "حزب الله"، في خطوة تهدف إلى إقناع الحزب بالتخلي عن سلاحه والانخراط كليًا في مؤسسات الدولة، وفق ما أفادت به مصادر سياسية ودبلوماسية لبنانية مطلعة.
ويأتي هذا التحرك البريطاني في سياق تنافسي مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا، وهما الطرفان اللذان طالما احتفظا بالحصة الأكبر من النفوذ الدولي في الشأن اللبناني. لكن، ومع تعقّد المشهد الداخلي، والانقسام الحاد في المواقف الإقليمية، يبدو أن لندن تسعى لتثبيت موطئ قدم أكثر تأثيرًا، من خلال مقاربة مختلفة لواحد من أكثر الملفات حساسية: سلاح حزب الله.
وقد نقلت مصادر مطّلعة لصحيفة "الأخبار" اللبنانية أن بريطانيا أبدت رغبتها في الدخول على خط الوساطة عبر مبعوث خاص من خارج الإطار الدبلوماسي الرسمي، سيُكلّف بفتح حوار مباشر مع حزب الله، المصنف إرهابيا في العديد من العواصم الغربية وهو ما لم تفعله واشنطن أو باريس بشكل علني.
ويعتقد أن المرشح الأبرز لهذه المهمة هو جوناثان باول، المستشار السابق لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ومدير مؤسسة دولية تعمل في مجال الوساطات وحل النزاعات. يتمتع باول بخبرة في التفاوض مع جماعات مسلحة، بعضها مصنّف على قوائم الإرهاب، وهو ما تعتبره لندن ميزة أساسية في إدارة هذا النوع من الملفات المعقدة.
وقد طرح اسم بلير نفسه في خطة ترامب بشأن انهار حرب غزة ولإنشاء سلطة انتقالية دولية لإدارة قطاع غزة بعد الحرب يقودها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق.
واللافت أن المبادرة البريطانية بشأن لبنان لا تندرج في سياق التنسيق مع الحلفاء الغربيين فحسب، بل تعكس طموحًا لدى بريطانيا لتجاوز دور "الشريك الداعم" للجهود الفرنسية والأميركية، والانفراد بدور فاعل في تحديد مستقبل المعادلات السياسية والأمنية في لبنان.
وتدرك لندن أن ملف سلاح حزب الله يشكّل أحد أكبر العقد أمام استعادة الدولة اللبنانية لسلطتها الكاملة، كما أنه ملف متداخل إقليميًا، في ظل التوتر المستمر على الجبهة الجنوبية والتصعيد المتكرر مع إسرائيل.
وتسعى بريطانيا إلى تقديم نفسها كوسيط "عقلاني"، قادر على التحدث مع مختلف الأطراف، بما في ذلك حزب الله، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتها الغربية تجاه إسرائيل وقرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار 1701.
وفي المقابل، لا يبدو أن "حزب الله" يتعاطى بإيجابية مع أي مقترح يتناول موضوع سلاحه. وقد شدد نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، في مناسبات عدّة على أن سلاح المقاومة ليس مطروحًا للنقاش أو التفاوض، واصفًا الأصوات التي تدعو إلى نزع السلاح بأنها "امتداد للمشروع الإسرائيلي".
ويرى الحزب أن أي طرح من هذا النوع ينم عن تجاهل للواقع الأمني اللبناني، واستمرار للازدواجية الغربية في التعاطي مع المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا في ظل الخروقات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية واستمرار الاحتلال في مزارع شبعا.
ويأتي التحرك البريطاني أيضًا في سياق تصاعد التنافس بين القوى الغربية على إدارة الأزمة اللبنانية او ربما بالتنسيق معها، وليس نتيجة غياب الدور الأميركي، الذي لا يزال حاضراً بقوة من خلال دعمه العسكري للجيش اللبناني والسياسي للحكومة اللبنانية.
كما أن الدور الفرنسي، رغم تعثره سياسيًا، لا يزال يحتفظ بوجود ثقافي ومؤسساتي قوي في لبنان، ما يجعل محاولة لندن التقدم على هذين المحورين مخاطرة دبلوماسية محفوفة بتعقيدات، لكنها تعكس بوضوح رغبة بريطانيا في أن يكون لها دور مستقل ومباشر في شرق المتوسط، من بوابة لبنان.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك ليس معزولًا عن إعادة التموضع البريطاني في مرحلة ما بعد "بريكست"، حيث تسعى لندن لتعزيز نفوذها الدولي في مناطق حساسة، خصوصًا في ظل التراجع الأوروبي النسبي في الشرق الأوسط. ويمثّل لبنان بالنسبة لبريطانيا ساحة اختبار لتأكيد حضورها كلاعب مستقل قادر على إدارة الأزمات الإقليمية.
لكن، تبقى المبادرة البريطانية في مهدها، ولم تتضح بعد مواقف الأطراف الداخلية منها، خصوصًا أن الحديث عن "نزع سلاح حزب الله" يبقى ملفًا شائكًا ومرتبطًا بتوازنات إقليمية أوسع من الساحة اللبنانية وحدها.