محمود سعيد يرفض فكرة 'الكتالوغ المسبِّب' في أحدث روايات أحمد فضل شبلول

العمل يسلط الضوء على الصراع بين الفنان التشكيلي وموثقي أعماله، حيث يرفض الاول أن تحدد قوائم الكتالوغ قيمة أعماله، ويكشف من خلال ذكرياته وآرائه عن فلسفته الفنية وتأثره بالفنانين والأساتذة والمتاحف، بالإضافة إلى دوره في الحركة الوطنية والثقافية في مصر.

القاهرة - تنطلق رواية "الكتالوج" للروائي المصري أحمد فضل شبلول – والتي صدرت مؤخرا عن مؤسسة غايا للإبداع بالقاهرة - من رفض الفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد – بعد وفاته عام 1964 - لهذا الكتالوج وأصحابه لأنه سيسهم في ترسيخ فكرة أن أي لوحة ستكتشف له فيما بعد، ولم يتحدث عنها الكتالوج، ستصبح وكأنها ليست من أعماله لأن الكتالوغ لم يتحدث عنها.

ولكنَّ أصحاب الكتالوغ والمحررين، يردون على سعيد بقولهم إن الكتالوج عمل فكري، يطمح إلى عمل جرد متعمق وتوثيق وتحليل نقدي لأعمال الفنان، خاصة في ظل انتشار ظاهرة التزييف والتزوير الفني المثيرة للقلق، فضلاً عن المشاكل المرتبطة بحماية حقوق الملكية الفكرية للفنانين التي يعاني منها سوق الفن في الشرق الأوسط.

ولكن الفنان يصر على أن عدم ظهور عمل ما في الكتالوغ لا يعني بالضرورة زيفه أو تزويره. ومن هنا يأتي الصراع الخفي بين الفنان وأصحاب الكتالوج، سواء الأجانب أو المصريين. ولكنه بين الحين والآخر يكشف فضل الكتالوج على أعماله وفنه.

ومن خلال هذا الصراع يتحدث الفنان عن أعماله، ويسترشد بآراء بعض النقاد والفنانين عن هذه الأعمال، كما يتحدث عن أعمال الفنانين الآخرين الذين تأثَّر بهم وبأعمالهم، أو تتلمذ عليهم، فيقول على سبيل المثال: أحببتُ أعمال روبنز لحركتها وحيويتها، وأعمال رامبرانت بسبب المؤثرات الضوئية اللافتة التي استخدمها، وكذلك العمق والإنسانية وتحليل الشخصيات في أعماله. وبعد فترة، وجدت روبنز سطحيًّا، لكن فن رامبرانت كان عميقًا. الضوء الذي استخدمه كان يشع من الداخل. لقد ضحَّى بالألوان واحتفظ باللونين الأحمر والبني فقط.

وأثناء حديثه عن فنه يؤكد أن أساتذته أو أسياده هم جميع المتاحف التي زارها وجميع المَراسِم التي ذهب لرؤيتها! فقد سافر إلى باريس حيث درس في متحف اللوفر، وحضر دروس الرسم في غراند شومير (في القسم "المجاني"، بدون أي أساتذة) وقضى شهرًا واحدًا في أكاديمية جوليان مع أ. لورينز. ولكنه يرى إن مايكل أنجلو هو الفنان الوحيد الذي ارتفع فوق البشرية ليصبح خالقًا وإلهًا.

إن الفترة التي بزغ فيها نجم محمود سعيد ارتبطتُ بموسيقى سيد درويش المصرية الأصيلة. فقد كان درويش يجاهد بالموسيقى ومحمود سعيد يجاهد بالرسم، وأحمد شوقي يجاهد بالشعر، ونجيب محفوظ يجاهد بالرواية. فيقول" "كلنا في مركب مصري واحد يبحر نحو الوطنية منذ ثورة 1919، رغم أن والدي كان رئيسًا للوزراء وقتها".

وسط هذه التغيرات والأحداث، وصل محمود سعيد إلى الساحة الفنية، التي كان يسيطر عليها الفنانون الغربيون المغتربون في ذلك الوقت. وبالتزامن مع ذلك، ظهرت أيديولوجية مصرية جديدة عُرفت بالفرعونية الجديدة، والتي انتشرت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، والتي نتجت عن تراكم هذه الأحداث التاريخية والثقافية.

وتتعرض الرواية أيضا إلى تلك العلاقة بين الفنان النحَّات محمود مختار والرسَّام محمود سعيد. حيث يقول سعيد: كان مختار الأقرب لي، كنت أذهبُ من الإسكندرية لعيادته أثناء مرضه، وفي المرة الأخيرة وجدتُه ميتًا، ولم أستطع التوقف عن البكاء حتى دُفن مختار. وبقيت الذكريات الجميلة معه، كلما أوحشني مختار أزور تمثال سعد زغلول في حديقة سعد زغلول بمحطة الرمل بالإسكندرية.

ويستدعي محمود سعيد العديد من نقاده طارحًا وجهة نظرهم في فنه ولوحاته، من أمثال: عز الدين نجيب وأمل نصر وراوية الشافعي والناقدة الفرنسية فاليري ديدييه هيس وبدر الدين أبوغازي وغيرهم.

وفي نهاية الرواية يتساءل: لقد اتحدت الجماهير في الدائرة اللانهائية التي تدور داخل روح الفنان. فهل استطاع أهل الكتالوغ الوصول إلى تلك الروح؟

وقعت رواية "الكتالوج" في 46 فصلا معنونًا، وهي تعبر عن أصداء "الكتالوج المسبِّب" الذي صدر في عام 2017 باللغة الإنكليزية عن الفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد (1897 – 1964)، وجاء في 900 صفحة في مجلدين فاخرين ملوَّنين، والذي قام بتحريره نخبة من الكتاب ونقاد الفن التشكيلي تأتي على رأسهم الناقدة الفرنسية فاليري ديدييه هيس.

وتعد "الكتالوج" هي الجزء الثالث والأخير في "ثلاثية محمود سعيد" التي أبدعها الكاتب أحمد فضل شبلول وتتكون من: "اللون العاشق"، و"الليلة الأخيرة في حياة محمود سعيد"، و"الكتالوج".

من أجواء "الكتالوج":

"لن يستطيع هذا الكتالوج، الحديثَ عن كل أعمالي ولوحاتي وألواني وحياتي، فهو بالرغم من كل ما يضمه ويحتويه قاصرٌ وعاجزٌ عن إدراك ما أفكر فيه، بل إنه غير شامل ولا كامل، ولا يمكن التعويل عليه.

إنه مجرد شكلٍ بلا روح ولا معنى، وكيف يمكنه الوصولَ إلى الروح والمعنى وهو مجرد شكل خارجي لبعض أعمالي ولوحاتي وألواني وخطوطي. لم يستطع المشاركون فيه الوصول إلى الروح الكامن في لوحاتي، لم يفهموا معنى بورتريهاتي وعارياتي. يأخذون بظاهر اللوحات، ولا يدركون ما يبطن فيها من نشوة روحية وآيات، تُحدث حالة من الاتحاد مع اللوحة، وهي نشوة تفتح آفاقًا من الألوان والأحلام.

أنا لستُ مجرد رسام يرسم ما أمامه من أشخاصٍ وأشكالٍ وحالاتٍ ومناظر. في روحي ما هو أعمق من ذلك حتى وأنا أرسم العاريات، هل رسمُ نهد أو كعب امرأة حبًّا في هذا النهد أو الكعب؟ لو عرفوا قيمة هذا النهد وجمال استدارتِه، وروعة هذا الكعب وبصمتِه فوق الأرض، لصمتوا عن اللغوِ والكلام. إنهما خلاصة عالم عجيب، خلاصة المرأة نفسها. وخلاصة تدوير القمر واستدارة الأرض. وأنا قطرةٌ من المطر على تلك الأرض. إنهم هم الشبقيون ولستُ أنا.

صوَّر الفنانون الأوروبيون المرأةَ على أنها جارية أو محظية، بينما قدمتُ في لوحاتي المرأةَ الشرقية بعد أن نالتْ حريتها، واستعادت براءتها.

وجدتُ في بشرةِ إحداهن اللونَ الأسمر العنَّابي الذي هو مصريٌّ حقًا. وفي يوم من الأيام عندما دخلتُ المرسم وجدتها تُحيك، وتفاجأتْ. لم تكن النساءُ البسيطاتُ على دراية بالحياكة في ذلك الوقت. طلبتُ منها أن تبقى كما هي، وبدأتُ في رسمها، فكانت لوحة "تريكو".

لاحظتْ فاتن مصطفى كنفاني أنني رفعتُ من شخصية المرأة المصرية ومن قيمتها. إنها حفيدة نفرتيتي، الفلاحة التي تعملُ بجِد في الحقل، والخادمة التي تخدم في بيوت الأرستقراطيين، والعاملة التي تسحبُ الماءَ من النيل، والأم لكثيرٍ من الأطفال، والزوجة التي تعتني بزوجها الصياد. عندما ينظر المرءُ إلى امرأة محمود سعيد، سواء في ملاءتِها أو عُريها، يتساءل هل جمالُها هو تفسيرٌ لخيالِه الذي لا نهاية له، أو الكشف الواضح عن تطلعاتها؟

كل همهم أن يعرفوا مَنْ يمتلكُ اللوحةَ الآن، وكانت عند مَن، ومَن باعها لمَن، وسعر البيع الذي وصلتْ إليه. وهل هناك خسارة في الأرباح المتوقَّعة لديهم، وهل هناك خسائر تجارية واقتصادية أخرى. إنهم يقيّمون لوحاتي واسكتشاتي ومعالجاتي بمنطق الربح والخسارة سواءً في المبيعات الخاصة أو في المزادات. ويُخلطُون الخيال والفن بالشئون المالية، وهما أمران متناقضان. ويودون إنشاءَ موقع إلكتروني لأعمالي لضمان استدامة مزايا الكتالوج الحالي كعمل مستمر. وينشرون فيه أي شيء يتعلق بي قد يُكتشف فيما بعد.

إنهم يريدون امتلاكَ حياتي بعد وفاتي عام 1964، ويتاجرون فيها. ولهم الحق في إزالة أي عمل، أو إضافة أي عمل، يتعلق بي، أو رفض إبداء الرأي حول عمل من أعمالي، وقد تكون هناك شهادة صحة صادرة عن طرفٍ ثالث تؤيد عملا ما أو ترفضه. إن شهادةَ الصحة التي أعرفها تُصرف من المستشفيات والعيادات، ومكاتب الصحة التابعة لوزارة الصحة، وليست من أصحاب الكتالوج، وقد جربتُها أثناء إصابتي بمرضٍ شفيتُ منه سريعًا ولله الحمد.

لو كان هذا همّي منذ البداية لكففت عن الرسم، وما كنتُ قدمت استقالتي عام 1947 من وظيفتي مستشارًا في القضاء، لأفرَّ من قضاءٍ لقضاء، ومن فضاءٍ لفضاء، وما كنتُ ضربت بعرض الحائط محاولاتِ تنصيبي وزيرًا، واعتراض البعض من أسرتي وأصدقائي على تقديم استقالتي".

محمود سعيد
'لقد اتحدت الجماهير في الدائرة اللانهائية التي تدور داخل روح الفنان. فهل استطاع أهل الكتالوغ الوصول إلى تلك الروح؟'