السوداني يتمسك بالتشاور وروبيو يطالب بتفكيك ميليشيات إيران

الحكومة العراقية تحاول منذ أشهر الموازنة بين ضغوط واشنطن المتزايدة للحد من نفوذ الميليشيات المقرّبة من طهران، وبين حاجتها للحفاظ على علاقاتها المتينة مع إيران التي تمثل شريكًا استراتيجيًا في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.

بغداد - في مكالمة هاتفية وُصفت بأنها "صريحة وحساسة"، دعا رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الإدارة الأميركية إلى تجنّب أي خطوات أو قرارات أحادية الجانب خارج إطار التشاور والتنسيق مع بغداد، في إشارةٍ فهمها مراقبون على أنها ردّ غير مباشر على تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن ضرورة "نزع سلاح الفصائل الموالية لإيران" في العراق.

وجاء الاتصال في سياقٍ سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد، إذ تحاول الحكومة العراقية منذ أشهر الموازنة بين ضغوط واشنطن المتزايدة للحد من نفوذ الميليشيات المقرّبة من طهران، وبين حاجتها للحفاظ على علاقاتها المتينة مع إيران التي تمثل شريكًا استراتيجيًا في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.

ولم يترك بيان الخارجية الأميركية عقب الاتصال مجالًا للالتباس، فقد شدد روبيو على أن "الميليشيات المدعومة من إيران تهدد حياة وأعمال الأميركيين والعراقيين على حد سواء، وتنهب الموارد العراقية لصالح طهران"، داعيًا إلى الإسراع في نزع سلاحها.

ويعكس هذا الخطاب الأميركي تحوّلًا تدريجيًا في موقف واشنطن من "إدارة التعايش" مع المجموعات المسلحة، إلى "الضغط لتفكيكها"، خصوصًا بعد تصاعد الهجمات التي استهدفت قواعد عسكرية تضم قوات التحالف، وتصاعد التوتر الإقليمي على خلفية الحرب في غزة والتوتر في الخليج.

في المقابل، يدرك السوداني أن الاستجابة الكاملة للمطالب الأميركية قد تضع حكومته في مواجهة مباشرة مع القوى السياسية الشيعية التي تشكّل عماد تحالفه البرلماني، ولا سيما الفصائل المرتبطة بـ"الإطار التنسيقي"، والتي تعتبر نفسها جزءًا من "المعادلة الدفاعية" ضد تنظيم داعش وضد ما تصفه بـ"النفوذ الأميركي المستمر".

بين ضغط واشنطن وحساسية طهران

ومنذ توليه المنصب عام 2022، حاول السوداني أن يرسم لنفسه موقع "الوسيط المتوازن" بين واشنطن وطهران. وقد تبنّت حكومته خطابًا يركز على "دمج الفصائل المسلحة في المؤسسات الأمنية الرسمية" بدل مواجهتها مباشرة، في محاولة لتحويلها من قوة موازية إلى قوة منضبطة تحت سلطة الدولة. لكن هذا المسار يواجه عراقيل داخلية وخارجية؛ فإيران تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب مفرط بين بغداد وواشنطن، وتعتبر أن الضغط الأميركي على "الحشد الشعبي" يستهدف تقويض نفوذها الإقليمي الممتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق.

والملف الأمني ليس المنفصل الوحيد في هذه المعادلة، فبحسب بيان مكتب رئيس الوزراء، شدد السوداني خلال الاتصال على "ضرورة المضي في تنفيذ الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية مع الشركات الأميركية"، في محاولة لتخفيف حدة التوتر عبر فتح آفاق تعاون اقتصادي.

لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية، يدور نقاش أعمق حول طبيعة الشراكة بين العراق والولايات المتحدة: هل هي شراكة قائمة على المصالح المتبادلة أم على الإملاءات الأمنية، فبينما ترغب بغداد في تنويع علاقاتها الاقتصادية لتقليل الاعتماد على إيران، ترى واشنطن أن النفوذ الاقتصادي الإيراني ذاته هو إحدى أدوات "الابتزاز السياسي" التي يجب تقليصها.

رهان السوداني على الوقت

وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو أن السوداني يراهن على عامل الزمن وعلى "إدارة التوازن الدقيق" بين العاصمتين المتنافستين. فهو يسعى لإقناع واشنطن بأن سياسة الدمج والتدرج أكثر نجاعة من الصدام، وفي الوقت نفسه يبعث لطهران برسالة مفادها أن حكومته لن تنقلب على الحلفاء الذين ساهموا في استقرار حكومته الحالية.

وليس الاتصال بين السوداني وروبيو مجرد تواصل دبلوماسي عابر، بل هو مؤشر على بداية مرحلة جديدة من "الشد والجذب" بين واشنطن وبغداد حول مستقبل السلاح غير النظامي في العراق.

وبينما تصر الولايات المتحدة على تفكيك الميليشيات باعتبارها عقبة أمام "دولة مستقلة ذات سيادة"، يرى السوداني أن أي خطوة غير محسوبة قد تشعل صدامًا داخليًا يُهدد السلم السياسي الذي نجح في ترميمه خلال العامين الماضيين.

وبهذا المعنى، لا تبدو الخلافات بين الطرفين مجرد اختلاف في التكتيك، بل هي تعبير عن رؤية متباينة لمستقبل الدولة العراقية: واشنطن تريدها دولة بلا نفوذ إيراني، فيما يسعى السوداني لأن تكون دولة متوازنة لا تخسر أيًّا من حلفائها.