السعودية تعيد تقييم موقعها في الساحة اللبنانية

المملكة تنفتح على تعاون أكبر مع بيروت على ضوء المتغيرات الطارئة على المشهد اللبناني وانكسار أحد أكبر أذرع إيران في الساحة اللبنانية والشرق الأوسط.

الرياض/بيروت – تبدي السعودية انفتاحا أكبر على لبنان على ضوء التغيرات الحاصلة في المشهد اللبناني وتراجع نفوذ حزب الله أحد أكبر وأبرز أذرع إيران في المنطقة والتي سبق أن سممت ممارساته العلاقات الخليجية اللبنانية، مبدية استعدادها لتعزيز العلاقات التجارية مع بيروت بعد جهود الأخيرة في مكافحة تهريب المخدرات إلى المملكة والجوار الخليجي.

ولا يبدو هذا الانفتاح صكا على بياض، فاللمملكة التي كانت أبرز داعم للبنان في محنه وأزماته شروطا لقيادة القاطرة الخليجية الداعمة لبيروتفي المرحلة القادمة وهي شروط منطقية وموضعية لاعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.

وتفتح السعودية ولبنان فصلا جديدا في علاقتهما المتوترة منذ سنوات، لكن هذا الانفتاح لا يأتي بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المشهدين اللبناني والإقليمي، خصوصاً بعد التطورات التي أضعفت حزب الله داخلياً وخارجياً. وفي هذا السياق، تشكّل التصريحات الأخيرة لمسؤول سعودي رفيع إشارة لافتة إلى أن الرياض تستعد لاتخاذ خطوات وشيكة لتعزيز العلاقات التجارية مع بيروت، بعدما أظهرت السلطات اللبنانية «فعالية» في الحد من تهريب المخدرات إلى المملكة خلال الأشهر الماضية.

وتبدو هذه اللهجة السعودية الجديدة أول مؤشر عملي على مراجعة شاملة للسياسة تجاه لبنان، التي كانت قد شُددت منذ عام 2021 حين حظرت الرياض جميع الواردات اللبنانية احتجاجاً على تهريب الكبتاغون من مناطق نفوذ حزب الله والنظام السوري. وضاعفت الضغوط السعودية آنذاك من أوجاع الاقتصاد اللبناني المنهار، وقطعت شريان صادراته الزراعية إلى أسواق الخليج، ما فاقم عزلته الاقتصادية.

واليوم، ومع تغيّر موازين القوى في لبنان والمنطقة، يبدو أن المملكة تعيد تقييم موقعها في الساحة اللبنانية، فالسعودية، وفق المسؤول نفسه، تثمّن المبادرات التي اتخذها الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام – وكلاهما وصل إلى موقعه بدعم واضح من الرياض – وتعتبر أن السلطات اللبنانية باتت أكثر استعداداً لضبط الحدود والتجاوزات الأمنية التي لطالما اشتكت منها دول الخليج.

ولا ينفصل الاستعداد السعودي للانفتاح عن عاملين أساسيين: ألهما الضعف غير المسبوق الذي أصاب حزب الله إثر الحرب مع إسرائيل العام الماضي وثانيهما الخطة التاريخية التي أقرّتها بيروت في سبتمبر/أيلول لنزع سلاح الحزب جنوب الليطاني.

ورغم أن تنفيذ الخطة يمضي ببطء بسبب حسابات أمنية ولوجستية معقدة وخشية انفجار داخلي في بلد أنهكته الحروب الطائفية، إلا أن مجرد إقرارها شكّل نقطة تحوّل في مقاربة الدولة اللبنانية للعلاقة مع الحزب.

لكن الرياض، رغم الترحيب، لا تزال ترى أن تفكيك ترسانة حزب الله يمثل شرطاً أساسياً لأي عودة كاملة للعلاقات، وهو شرط لم يوافق عليه الحزب حتى الآن. وفي ظل الضغوط الأميركية للتعجيل في تنفيذ الخطة، والغارات الإسرائيلية شبه اليومية على مواقع مرتبطة بالحزب، يعيش لبنان مرحلة حساسة قد تحدد مستقبل وجوده العسكري والسياسي.

ويأتي التحرك السعودي الجديد في وقت تشير فيه تقارير أمنية دولية إلى انهيار منظومة إنتاج الكبتاغون في سوريا بعد سقوط حكومة الأسد تحت ضغط هجوم المعارضة في نهاية 2024، وهو تطور مهم في ملف لطالما أثّر في العلاقات الخليجية–اللبنانية.

وفي المقابل، يواصل حزب الله نفيه أي علاقة بشبكات التهريب، رغم العثور سابقاً على مصانع ضخمة في مناطق نفوذه بسوريا والحدود اللبنانية.

وبرغم هذه التعقيدات، يؤكد المسؤول السعودي أن "الخطوات اللبنانية لوقف استخدام أراضيها كمنصة تهدد أمن الدول العربية ستفتح الباب أمام تقدّم في العلاقات الثنائية"، مشيراً إلى زيارة قريبة سيجريها وفد سعودي لبيروت لبحث إزالة العوائق التي تمنع عودة الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية.

ويكشف المشهد الراهن أن المملكة لا تزال تتبنى مقاربة مشروطة تقوم على انفتاح اقتصادي وتجاري سريع، مقابل التزام لبناني واضح بإضعاف نفوذ حزب الله وتقليص دوره الأمني.

وهذا التوازن الدقيق يعكس قراءة سعودية مفادها أن اللحظة الإقليمية الحالية، مع تراجع حضور إيران في بعض ساحات نفوذها التقليدي، قد تكون فرصة لإعادة لبنان إلى المحور العربي من بوابة الاقتصاد والاستقرار الأمني.

ويبدو أن مسار العلاقات اللبنانية–السعودية يدخل مرحلة إعادة تشكيل، لا تعيد الأمور إلى ما قبل الأزمة فحسب، بل ربما تفتح الباب أمام دور سعودي أكبر في إعادة بناء التوازن السياسي داخل لبنان، غير أن هذا المسار يبقى رهناً بمعادلة واحدة هي مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها وتنفيذ التزاماتها، في بلد لا يزال يمشي على حافة الانقسام والاحتمالات المفتوحة.