القيادة الكردية تقود دبلوماسية هادئة لتبريد التوترات الإقليمية

في منطقة تموج بالأزمات، تبدو القيادة الكردية في إقليم كردستان قادرة على لعب دور مساعد في تجنيب المنطقة موجات جديدة من التصعيد، وفتح منافذ تفاهم يصعب على أطراف أخرى فتحها.

أربيل - عادت مدينتا دهوك وأربيل خلال الأيام الأخيرة لتتصدر المشهد السياسي الكردي والإقليمي، بعدما شهدتا سلسلة لقاءات مكثفة تعكس تنامي الدور الدبلوماسي للقيادة الكردية في إقليم كردستان العراق، لاسيما في ما يتعلق بتهدئة التوترات بين الأطراف الكردية في سوريا، وإعادة تحريك فرص الحلول السياسية المتعثرة بين "قسد" ودمشق، إضافة إلى العلاقة الشائكة بين حزب العمال الكردستاني وتركيا.

وقد أكد رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، خلال اجتماعه في أربيل بالقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، أنّ الحفاظ على وحدة الصف الكردي في سوريا يشكل المدخل الأساسي لأي حل سياسي يمكن البناء عليه، مشددا على أن الحوار هو السبيل الوحيد لحماية الحقوق السياسية للكرد في سوريا، لا سيما في ظل ازدياد المخاطر الأمنية واحتمالات عودة تنظيم "داعش" في بعض المناطق الخارجة عن السيطرة الكاملة.

وفي السياق نفسه، حملت زيارة عبدي إلى دهوك ولقاؤه الزعيم الكردي مسعود بارزاني رسائل سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ ناقش الجانبان آخر تطورات الملف السوري ومستقبل المسار السلمي بين حزب العمال الكردستاني وأنقرة، بحضور شخصيات كردية من روجآفا وتركيا والمجلس الوطني الكردي.

وأعاد عبدي التأكيد على تقديره للدور المحوري لبارزاني في دعم جهود التقارب، سواء داخل الساحة الكردية السورية أو في الإطار التركي–الكردي الأوسع.

قوة وساطة ناشئة

وتظهر هذه اللقاءات، وفق قراءة موضوعية للتقلبات الجيوسياسية أنّ القيادة الكردية في أربيل تحاول سدّ فراغ واضح في مسار الوساطات بين الأطراف الكردية والإقليمية، ففي وقت تتعثر فيه المحادثات بين الإدارة الكردية ودمشق وتتقدم الاتصالات بين الطرفين ببطء شديد وتزداد فيه العلاقات بين حزب العمال الكردستاني وتركيا توتراً، يبرز مسعود بارزاني كصانع سلام بما يمتلك من رصيد سياسي وتاريخي يجعله مقبولاً لدى مختلف الأطراف. ويرتكز هذا الدور إلى جملة من العوامل تراكمت خلال العقدين الماضيين، أبرزها:

1 استقرار الإقليم ورصيده السياسي، فقد نجحت قيادة كردستان في تحويل الإقليم إلى مساحة استقرار وسط منطقة مضطربة بحروب أهلية وصراعات إقليمية. وبعد هزيمة تنظيم داعش، برز الإقليم كشريك أساسي للتحالف الدولي، وكمنصة محايدة لاحتضان الحوارات، ما عزز ثقة القوى الإقليمية والدولية بدوره.

2 نهج متوازن في العلاقات الإقليمية، فقد استطاع الإقليم أن يحافظ على قنوات مفتوحة مع بغداد وأنقرة وطهران وواشنطن في آن واحد، ما وفر له قدرة إضافية للعب دور وسيط بين أطراف لا تمتلك أصلاً قنوات مباشرة أو مستقرة فيما بينها.

3  احتضان القضايا الكردية العابرة للحدود: أربيل ودهوك شكّلتا خلال السنوات الماضية ملاذاً سياسياً آمناً لأبناء روجآفا، ومنصة لعقد النقاشات الكردية الداخلية بعيداً عن الضغوط العسكرية أو الحسابات الفورية الميدانية. وهذا منح القيادة الكردية موقع “المرجع” في إدارة الخلافات الكردية–الكردية.

من الدور المحلي إلى الإقليمي

وفي خلفية هذا المشهد، يبرز احتمال أن يتكرس مسعود بارزاني—بوصفه أكثر الزعماء الأكراد حضوراً وتأثيرا، كوسيط قادر على:

تخفيف حدة التوترات بين القوى الكردية في سوريا

دعم المسار التفاوضي بين "قسد" ودمشق،

وربما إعادة فتح نافذة الحوار الكردي–التركي، بالنظر إلى علاقاته الممتدة مع أنقرة وامتلاكه شبكة ثقة لدى أطراف كردية عدة.

وتشير النقاشات التي شهدتها دهوك إلى أن مسار 2025 قد يكون محطة مفصلية لترسيخ هذا الدور، بوصفه إطاراً يعيد تعريف مكانة الإقليم كفاعل سياسي إقليمي، لا مجرد إدارة محلية ضمن العراق الاتحادي.

وفي منطقة تموج بالأزمات، تبدو القيادة الكردية في إقليم كردستان قادرة على لعب دور مساعد في تجنيب المنطقة موجات جديدة من التصعيد، وفتح منافذ تفاهم يصعب على أطراف أخرى فتحها. ومع تعاظم مكانته السياسية وخبرته الطويلة، يظل مسعود بارزاني مرشحا للعب دور وازن في أي عملية تهدئة، سواء داخل الساحة الكردية السورية أو في العلاقة المعقدة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، بما يعزز موقع الإقليم كقوة توازن دبلوماسي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.