جزيء 'منقذ' في العضلات قد يعكس مسار التصلب الجانبي الضموري

دراسة على الفئران تجد أن تعزيز جزي في العضلات يوقف تلف الأعصاب ويجددها في مرض التصلب الجانبي الضموري عبر منع تراكم البروتينات السامة ما يُمهد الطريق لتطوير علاجات جينية مستقبلية تستهدف العضلات لاستعادة الوظائف الحركية المفقودة لدى المرضى وعكس مسار الشلل.

واشنطن - في اختراق علمي قد يعيد كتابة قواعد التعامل مع الأمراض العصبية التنكسية، كشفت دراسة حديثة أجريت في جامعة تل أبيب أن جزيئاً دقيقاً من الحمض النووي الريبوزي (RNA) يمتلك القدرة ليس فقط على وقف التدهور العصبي الناجم عن مرض التصلب الجانبي الضموري (ALS)، بل وعكس مسار الضرر وتجديد الخلايا التالفة في نماذج الفئران.

الدراسة التي نُشرت نتائجها في دورية "نيتشر نيوروساينس" (Nature Neuroscience) المرموقة، تسلط الضوء لأول مرة على آلية بيولوجية دقيقة كانت مجهولة سابقاً، تتعلق بالحوار الكيميائي بين العضلات والأعصاب، مما يفتح الباب أمام تطوير علاجات جينية ثورية لمرض لطالما اعتبر حكماً بالموت البطيء.

لغز "الموت التراجعي" للأعصاب مرض التصلب الجانبي الضموري، المعروف شعبياً بمرض "لو جيريج" نسبة للاعب البيسبول الشهير الذي أصيب به، هو مرض شرس يهاجم الخلايا العصبية الحركية في الدماغ والحبل الشوكي. يؤدي المرض تدريجياً إلى فقدان القدرة على التحكم في العضلات، ما يسبب الشلل الكامل، وفي النهاية الوفاة نتيجة فشل عضلات التنفس.

وحتى وقت قريب، كانت الآلية الدقيقة التي تبدأ بها هذه الخلايا في الموت غير واضحة تماماً. إلا أن الفريق البحثي بقيادة البروفيسور عيران بيرلسون من كلية الطب وكلية ساغول لعلم الأعصاب في جامعة تل أبيب، ركز أبحاثه على نقطة التقاء حرجة تعرف باسم "الوصلة العصبية العضلية" (Neuromuscular Junction).

وأوضح بيرلسون في بيان حول الدراسة أن المرض لا يبدأ بموت الخلية العصبية فجأة، بل يبدأ بانهيار هذه الوصلات حيث تلتقي الألياف العصبية بالأنسجة العضلية. يحدث ما يسمى بـ "الموت التراجعي" (Die-back phenomenon)، حيث تنفصل نهاية العصب عن العضلة أولاً، ثم يزحف التلف صعوداً نحو جسم الخلية العصبية في النخاع الشوكي.

القاتل الصامت: بروتين (تي.دي.بي-43) وجد الباحثون أن المحرك الرئيسي لهذا الانفصال المدمر هو تراكم بروتين سام يُدعى (تي.دي.بي-43) داخل النهايات العصبية. في الحالة الطبيعية، يتواجد هذا البروتين داخل نواة الخلية، لكن في حالة المرضى، يخرج عن السيطرة ويتكتل عند الوصلات العصبية.

وأظهرت الدراسة أن هذا التكتل البروتيني يشن هجوماً مباشراً على "الميتوكوندريا"، وهي العضيات المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلية. وعندما تتعطل مصانع الطاقة هذه عند طرف العصب، تنهار قدرة العصب على البقاء متصلاً بالعضلة، مما يؤدي إلى شلل تلك العضلة وموت العصب لاحقاً.

الاكتشاف المحوري: العضلات كخط دفاع أول الجزء الأكثر إثارة في الدراسة هو اكتشاف أن العضلات ليست مجرد "مستقبل سلبي" للأوامر العصبية، بل تلعب دوراً حيوياً في حماية الأعصاب التي تغذيها.

وجد الفريق أن خلايا العضلات السليمة تنتج جزيئاً محدداً من الحمض النووي الريبوزي يسمى (مايكرو آر.إن.إيه-126) أو (miR-126). وتعمل العضلات كشريك بيولوجي، حيث تقوم بتغليف هذا الجزيء وإرساله عبر الوصلة العصبية إلى الخلية العصبية. بمجرد وصوله، يعمل (miR-126) كمكابح بيولوجية تمنع تكتل البروتين السام (تي.دي.بي-43) وتحمي الميتوكوندريا.

وكشفت الفحوصات التي أجريت على أنسجة مرضى التصلب الجانبي الضموري ونماذج الفئران المعدلة وراثياً، أن مستويات هذا الجزيء "المنقذ" تنخفض بشكل حاد في العضلات المصابة. هذا النقص يترك الأعصاب مكشوفة وبلا حماية أمام السمية البروتينية.

من المختبر إلى الأمل العلاجي لإثبات صحة نظريتهم، قام الباحثون بتجربة رائدة استخدموا فيها تقنيات الهندسة الوراثية لاستعادة مستويات (مايكرو آر.إن.إيه-126) في فئران مصابة بأعراض تشبه التصلب الجانبي الضموري.

النتائج كانت، بحسب وصف الفريق العلمي، "مذهلة". فبمجرد رفع مستويات هذا الجزيء، حدثت الاستجابة التالية:

تفككت تكتلات البروتين السام (تي.دي.بي-43).

استعادت الميتوكوندريا عافيتها وبدأت بإنتاج الطاقة مجدداً.

والأهم من ذلك: لوحظ تجدد في الوصلات العصبية التي كانت قد بدأت في التلف، مما سمح للفئران باستعادة جزء من وظائفها الحركية، وهو أمر نادر الحدوث في تاريخ أبحاث هذا المرض.

آفاق المستقبل: علاج جيني محتمل يفتح هذا الاكتشاف الطريق أمام نهج علاجي جديد كلياً. بدلاً من محاولة علاج الخلايا العصبية في الدماغ أو النخاع الشوكي—وهو أمر بالغ التعقيد نظراً لوجود حاجز الدم الدماغي—يقترح الباحثون استراتيجية تركز على العضلات.

يقول بيرلسون: "بما أننا أثبتنا أن العضلات هي المصدر الطبيعي لهذا الجزيء الحامي، فإن ذلك يسهل المهمة العلاجية. العضلات سهلة الوصول إليها بالحقن، ويمكننا تحفيزها لتعود وتلعب دورها في حماية الأعصاب".

ويضيف التقرير أن الخطوة التالية ستكون تطوير علاج جيني آمن للبشر يستهدف تعزيز إنتاج (مايكرو آر.إن.إيه-126)، وهو ما قد يمثل طوق نجاة لملايين المرضى حول العالم الذين يواجهون هذا التشخيص القاسي.

ومع ذلك، ينوه الخبراء المستقلون دائماً بأن الانتقال من نجاح التجارب على الفئران إلى التطبيق البشري السريري هي رحلة قد تستغرق سنوات من الاختبارات لضمان السلامة والفعالية، إلا أن تحديد "الهدف البيولوجي" بدقة يعد نصف المعركة في عالم تطوير الدواء.

ويُعد مرض التصلب الجانبي الضموري (ALS) من أكثر الأمراض العصبية غموضاً، ويصيب المئات من الآلاف حول العالم سنوياً، بمتوسط عمر متوقع يتراوح غالباً بين عامين وخمسة أعوام بعد التشخيص، مما يجعل الحاجة إلى علاجات مبتكرة أمراً ملحاً للغاية.