تمثال باخوس بين الذاكرة والخيال: قراءة تحليلية في سيناريو 'بدون خدش'

السيناريست المغربي شوقي الحمداني يقدم قراءة ضمنية لقضايا التراث والذاكرة، حيث يظهر كيف يمكن للفقدان الثقافي أن يتحول إلى مأساة اجتماعية تتفاعل معها الجماعة بطرق مختلفة.
سفيان المعروفي
الرباط

يشكل سيناريو "بدون خدش" للسيناريست المغربي شوقي الحمداني مثالا فريدا على قدرة النص السينمائي في مزج الواقع التاريخي بالتصور الفني، فهو يقدم معالجة سردية لقضية حساسة تمس الثراث الثقافي المغربي والمجتمع المحلي في آن واحد، يستند السيناريو إلى أحداث حقيقية جرت في الثمانينيات، حين سرق تمثال باخوس من موقع وليلي الأثري، ما أحدث صدمة كبير في قرية "فرطاسة" القرية المقالبة لموقع وليلي، وهو ما أدى أيضا إلى توترات اجتماعية غير مسبوقة، إذ تعرض سكان القرية لاتهامات وضغط من قبل السلطة المحلية، في حين انطلقت التحقيقات خارج المغرب في محاولة لاسترجاع التمثال المسروق.

هذا الحدث الواقعي الذي شكّل مأساة حقيقية في ذاكرة سكان المنطقة، أصبح مادة خصبة للسيناريست الذي وظفها في إطار سردي يمزج بين الواقع والرمزية، وهو ما قد يتيح للقارئ أو المشاهد مستقبلا مجالا للتأمل في معاني العدالة والذاكرة الجماعية والهوية الثقافية.

في المقابل يبرز السيناريو صراعات معقدة داخل المجتمع المحلي وبين الفرد والجماعة، من خلال شخصيات متعددة الأبعاد وهي تواجه الضغوطات والتحديات الناتجة عن حادثة السرقة.

يحافظ النص على الغموض أحيانا، إذ لا يكشف تفاصيل الحبكة أو مآلات الأحداث، مما يجعله أداة تحليلية للواقع الاجتماعي والثقافي، لا مجرد سرد اعتباطي، وفي هذا السياق، ينجح في تقديم الشخصيات لا بوصفها أفرادا، بل باعتبارها رموزا لمجتمع بأسره متأثر بالتراث والثقافة والقيم المشتركة، ومتفاعلا مع القوى الداخلية والخارجية التي تسعى إلى بسط السيطرة أو توجيه الاتهامات إليها.

رغم أن الحدث التاريخي يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، فقد وظف السيناريست عناصر معاصرة مثل المواقع الإلكترونية والهاتف داخل السيناريو، ويتجلى هذا مثلا في:

المشهد "89/ داخلي/القنصلية/مكتب رشيد// شقة هيلينا/المطبخ_نهار(صباحا)

يجلس رشيد وراء مكتبه وهو يراجع أمامه بعض الأوراق، بعد حين يسمع رنين هاتفه المحمول، ويرد".[1]

المشهد "131/ داخلي /بيت الجيلالي/ البهو-نهار.

يدخل 'هشام' في هذه الأثناء من الخارج، ليرن هاتفه إيذانا بوصول رسالة، يتطلع إلى الشاشة ليجد بأن صديقه 'نعمان' قد أرسل إليه نسخة إلكترونية لجريدة 'ليبراسيون 24'، وتظهر العناوين العريضة للصفحة الأولى على شاشة الهاتف". [2]

من منظور تاريخي هذه الوسائل لم تكن متاحة في المغرب في تلك الفترة، فالإنترنت لم تكن موجودة بعد، والهواتف المحمولة كانت في بدايتها ولم تكن منتشرة في القرى المغربية، هذا الاستخدام المعاصر لا يعد خطأ، بل اختيار فني واعي من السيناريست لتقريب الحدث من ذهن القارئ المعاصر وجعل النص أكثر تواصلا، وهو دليل على أن النص لا يسعى فقط إلى توثيق تاريخي، بل إلى إعادة بناء الواقع عبر منظور سردي يمزج بين الواقع والخيال الرمزي.

من زاوية أخرى يمثل التمثال في السيناريو أكثر من قطعة أثرية، إنه رمز للهوية والتراث والذاكرة الجماعية، فهو بمثابة محور يربط الماضي بالحاضر، ومن خلاله يناقش السيناريو القيم الاجتماعيىة، العدالة، المسؤولية، ودور الفرد في مواجهة التحديات التي يفرضها المجتمع والسلطة.

أما على مستوى الأسلوب السردي في النص، فهو يدمج الحوار والوصف الداخلي للشخصيات، مع لمسات رمزية تعكس التوتر بين الواقع والمثالية، بين الفرد والجماعة، وبين الحقائق التاريخية والسرد الفني، إنه أسلوب يسمح للقارئ بالانغماس في التجربة الإنسانية للشخصيات، مع الحفاظ على مساحة للتأمل في القضايا الاجتماعية والثقافية التي يطرحها السيناريو.

يقدم سيناريو "بدون خدش" قراءة ضمنية لقضايا التراث والذاكرة، حيث يظهر كيف يمكن للفقدان الثقافي أن يتحول إلى مأساة اجتماعية تتفاعل معها الجماعة بطرق مختلفة، كما يوضح أيضا العلاقة بين التاريخ والخيال، بين الواقع الملموس والرمزية الفنية، ويمنح الشخصيات أبعادا نفسية اجتماعية عميقة تجعلها أكثر من مجرد أدوات للسرد، بل عناصر مركزية لفهم الصراع الإنساني والثقافي في مجتمع يواجه تدعيات حدث تاريخي ملموس.

يقدم سيناريو "بدون خدش" معالجة فنية تتجاوز حدود التوثيق المباشر لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والذاكرة الجماعية ومعنى العدالة داخل مجتمع يواجه صدمة فقدان رمزه الثقافي، وذلك من خلال المزج بين الواقعي والمتخيل وبين الحدث التاريخي والإختيارات الجمالية الحديثة.

ختاما يمكن أن نقول بأن سيناريو "بدون خدش" يقدم أساسا متينا لفكرة قوية نابضة بالحياة، قابلة لأن تترجم لعمل بصري متكامل، بالرغم من بعض التفاصيل التي قد تحتاج إلى ضبط الإيقاع وتنظيم المشاهد، يمنح النص صناع السينما الفرصة لإضفاء لمستهم الخاصة، ويجعل الأحداث أكثر عمقا ويبرز القوة الدرامية للنص، ويترك أثرا فكريا وجماليا واضحا لدى القارئ والمشاهد.

[1]السيناريست شوقي الحمداني، بدون خدش، مطبعة سيجلماسة مكناس، 2025 ص99

[2]المرجع نفسه ص 167