فلوريدا تنضم لتكساس في تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا
واشنطن - أعلن حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، إدراج جماعة "الإخوان المسلمين" ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية "كير"، في قائمة "التنظيمات الإرهابية" في ضربة جديدة للجماعة التي باتت تلاحق في العواصم الغربية وخاصة الولايات المتحدة.
وقال ديسانتيس في تدوينة على منصة "إكس" إن كلا التنظيمين صنفته ولاية فلوريدا "تنظيما إرهابيا أجنبيا" مضيفا أنه أصدر تعليمات للمؤسسات في ولاية فلوريدا لاتخاذ كل الإجراءات القانونية اللازمة لمنع تقديم أي امتيازات أو موارد للأشخاص الذين يدعمون هذين التنظيمين في "أنشطتهما غير القانونية".
من جهتها، اعتبرت "كير" في بيان، أن قرار حاكم فلوريدا "مخالف للدستور" و"افتراء"، معلنة أنها تخطط لمقاضاة ديسانتيس ردا على هذه الخطوة. ويُذكر أن الحكومة الأميركية لم تصنّف بعد جماعة "الإخوان المسلمين" ولا "كير" على أنهما "تنظيم إرهابي أجنبي".
ويسجل مراقبون أن هذا التوجه لا يأتي من فراغ؛ فالأوساط المحافظة في الولايات المتحدة لطالما اعتبرت الإخوان حركة ذات بنية تنظيمية مرنة، تعمل من خلال واجهات مدنية وخيرية وثقافية داخل الجاليات المسلمة، وتستفيد من مجال الحريات في الغرب لإعادة إنتاج نفوذها. ويقوم هذا التيار الفكري على قناعة بأن التنظيم يتحرك بوجهين: خطاب منفتح عند التعامل مع الغرب، وآخر أكثر صرامة وتشدداً يظهر في البيئات التي يمتلك فيها نفوذًا سياسيًا أو اجتماعيًا.
وسرعان ما لحق حاكم فلوريدا حاكم تكساس، غريغ أبوت، الذي أعلن خطوة مشابهة عبر تصنيف الجماعة ضمن "المنظمات الإرهابية الأجنبية" و"الجماعات الإجرامية الدولية". وأصبح التناغم بين الولايتين، وهما من أكثر الولايات تأثيرًا سياسيًا وانتخابيًا، مؤشرًا على أن الحملة ضد الإخوان لم تعد مبادرات فردية معزولة، بل تتحول تدريجيًا إلى توجّه جمهوري واسع، بخاصة في ظل حالة الاستقطاب الحادة التي تشهدها الساحة الأميركية واقتراب استحقاقات انتخابية حساسة.
ويعود جانب كبير من هذا التحول إلى تراكم الإرث السياسي الذي تركته أحداث العقد الأخير في الشرق الأوسط. فقد أثارت تجربة حكم الإخوان في مصر عقب 2011، وما تلاها من اضطرابات وانقسامات، موجة واسعة من الشك داخل الدوائر الأميركية حول نوايا الجماعة ومدى التزامها بالممارسة الديمقراطية. كما ظهر لدى دوائر في واشنطن انطباع بأن الجماعة تستخدم خطابًا مزدوجًا: تُظهر وجهًا ديمقراطيًا معتدلًا في تعاملها مع الغرب، لكنها تنشط داخليًا وفق مشروع سياسي عقائدي مغلق يهدف إلى السيطرة على مؤسسات الدولة حين تتاح لها الفرصة.
وبناءً على ذلك، بدأ بعض صناع القرار الأميركيين يتعاملون مع الإخوان باعتبارهم تنظيمًا أيديولوجيًا طويل الأمد يمكنه بناء شبكات تأثير داخل الولايات المتحدة عبر بوابات المجتمع المدني، ما يجعل خطره من وجهة نظر هؤلاء غير واضح ومبطن، لكنه قابل للتطور في المستقبل. كما أسهم الربط المتزايد في التحليلات الأمنية بين الإسلام السياسي والحركات الأكثر تطرفًا في تعزيز هذا الاتجاه المتشدد، خاصة مع صعود تنظيمات متشددة في مناطق مختلفة من العالم العربي انطلقت من بيئات سياسية كانت الإخوان جزءًا من تشكيلاتها الفكرية والاجتماعية.
وجاءت خطوة ديسانتيس وتكساس متناغمة مع المناخ الفيدرالي نفسه، بعدما وقع الرئيس دونالد ترامب توجيهًا لإدارته قبل أشهر لدراسة إمكانية تصنيف فروع من الجماعة في بعض الدول كتنظيمات إرهابية. هذا التوجيه لم يتحول حتى الآن إلى سياسة فيدرالية ملزمة، لكنه فتح الباب أمام الولايات لاتخاذ خطوات استباقية خاصة بها، وأعاد ملف الإخوان إلى صدارة النقاش الأمني الأميركي.
ولا يمكن تجاهل دور الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة في تشكيل هذا المزاج الجديد. فالدول التي صنّفت الجماعة كتنظيم إرهابي – وعلى رأسها مصر والإمارات والسعودية – قدّمت لواشنطن بيانات واسعة حول آليات عمل الإخوان وشبكاتهم وعلاقاتهم الخارجية، وساهمت هذه المعطيات في إعادة صياغة صورة التنظيم لدى صناع القرار الأميركيين، بحيث لم يعد يُنظر إليه كحركة احتجاجية أو سياسية محلية، بل كتيار أيديولوجي عابر للحدود له مشروع عالمي يصطدم، بصورة أو بأخرى، بالمصالح الأميركية وحلفائها.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الجماعة أنها تمثل "الإسلام السياسي المعتدل"، وتطرح نفسها كمدافع عن القيم الديمقراطية، فإن شرائح واسعة في الولايات المتحدة باتت ترى أن هذا الخطاب لا يتطابق مع ممارسات التنظيم في البلدان التي تولى فيها السلطة أو اقترب من دوائر الحكم. وتكثفت داخل المؤسسات الأميركية التحذيرات التي تعتبر أن الإخوان يوفرون بيئة فكرية قد تستفيد منها جماعات أكثر تشدداً، حتى لو لم ينخرط التنظيم نفسه في العنف المباشر داخل الأراضي الأميركية.
ومع إقدام ولايتي فلوريدا وتكساس على توسيع دائرة الضغط، تتوقع مصادر قانونية وسياسية أن تشهد المرحلة المقبلة جملة من الإجراءات التنفيذية بحق مؤسسات وشخصيات يُعتقد أنها ذات ارتباط فكري أو تنظيمي بالجماعة، ما قد يشمل التدقيق في التمويل، وتقييد الأنشطة المجتمعية، وإطلاق تحقيقات إضافية حول طبيعة العلاقات والارتباطات الخارجية. كما يتوقع أن يتجه الملف إلى ساحات القضاء، خصوصًا بعد إعلان "كير" اعتزامها مقاضاة ديسانتيس، في خطوة قد تفتح جدلًا قانونيًا طويلًا حول حدود سلطة الولايات في تصنيف منظمات أجنبية.
لكن حتى في حال كسب بعض الأطراف دعاوى قضائية، فإن المزاج السياسي العام يبدو قد تجاوز نقطة العودة، إذ يتعامل التيار المحافظ، ومعه قطاعات في المؤسسة الأمنية، مع الإخوان باعتبارهم جزءًا من تحدٍ أوسع يرتبط بمفهوم “الأمن القومي الجديد”، الذي يشمل مكافحة التنظيمات العابرة للحدود ذات الأجندات العقائدية، وليس فقط الجماعات المسلحة بالمعنى التقليدي.
وعليه، يبدو أن الجماعة تقف أمام مرحلة مفصلية في علاقتها بالولايات المتحدة. فالمشهد السياسي الحالي، بتوجهاته المتشددة، يشير إلى أن منسوب التسامح مع وجود الإخوان داخل المجتمع الأميركي يتراجع سريعًا، وأن ما كان متاحًا قبل سنوات من نشاط مدني وتنظيمي أصبح مهددًا بالتقلص وربما الزوال. وفي ظل إعادة قراءة شاملة لأدوار الحركات الأيديولوجية وتأثيرها في الاستقرار السياسي والاجتماعي، يبرز أن قرار فلوريدا يمثل أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنه إشارة صريحة إلى بداية مسار يعيد صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة والجماعة بشكل جذري، ويفتح الباب أمام مرحلة من المواجهة السياسية والقانونية قد تكون الأشد منذ عقود.