'إف بي آي' تتهم إيران بالتخطيط لاغتيال مسؤولين أميركيين سابقين

إيران لا تزال تبحث عن طرق لاستهداف شخصيات أميركية بارزة كانت مشاركة في القرار الذي أدى إلى مقتل سليماني على غرار مايك بومبيو وبرايان هوك وجون بولتون وحتى الرئيس الحالي ترامب.
ايران لا تزال ترغب في الانتقام لمقتل سليماني رغم الضربات التي تعرضت لها
إيران نشطت في مراقبة ومتابعة مواقع شخصيات ومنشآت يهودية وإسرائيلية داخل أميركا

طهران - تتصاعد التحذيرات الأميركية في الآونة الأخيرة بشأن استمرار طهران في البحث عن فرص للانتقام لمقتل قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، وهو ما يعيد الملف إلى واجهة التوترات الإقليمية والدولية في مرحلة تُعد من الأكثر حساسية منذ سنوات. فالمؤشرات الواردة في تقرير مدير العمليات في مكتب التحقيقات الفيدرالي "اف بي أي"، مايكل غلاشين، أمام الكونغرس، تكشف أن التهديدات الإيرانية لم تتراجع، وأن نطاقها بات يمتد إلى مسؤولين أميركيين تركوا مناصبهم منذ سنوات، ما يجعل القضية أبعد من مجرد رد فعل أو خطوة رمزية.
وبحسب غلاشين، فإن إيران لا تزال تبحث عن طرق لاستهداف شخصيات أميركية بارزة كانت مشاركة في القرار الذي أدى إلى مقتل سليماني مطلع عام 2020. ورغم مرور خمس سنوات على الحادث، يؤكد التقرير أن طهران مستمرة في محاولة تنفيذ عمليات نوعية ضد هؤلاء المسؤولين، في إطار ما تصفه بـ"الانتقام الحتمي". وتشمل قائمة المستهدفين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدداً من كبار مسؤولي إدارته السابقة، ومنهم مايك بومبيو وبرايان هوك وجون بولتون، الذين لطالما تبنوا سياسات معادية لإيران خلال فترة وجودهم في السلطة.
وتشير تفاصيل التقرير الأخير إلى أن الأجهزة الأمنية الأميركية أوقفت في أكتوبر/تشرين الاول 2024 شخصاً يرتبط بفيلق القدس كان يعمل على جمع معلومات حول مواقع بعض المسؤولين الأميركيين من أجل إعداد مخططات لاغتيالهم. وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان ما كشفته وزارة العدل الأميركية العام الماضي بشأن محاولات إيرانية لرصد تحركات ترامب بهدف تصفيته قبل الانتخابات الرئاسية، وهي محاولات قالت الوزارة إن شخصيات داخل الحرس الثوري خططت لها عبر وسطاء يعملون خارج إيران.
ورغم أن طهران لم تعلن رسمياً تبنّي أي من تلك المخططات، فإن تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي منذ ديسمبر/كانون الاول 2020 ما تزال تُقرأ في واشنطن كضوء أخضر مفتوح للانتقام. فمنذ وصفه عملية قتل سليماني بأنها "لن تمر دون رد"، تكثّفت الإشارات والتهديدات المباشرة وغير المباشرة. أحد أبرزها كان نشر حساب خامنئي صورة تُظهر ترامب في ملعب غولف تحت ظل طائرة مسيّرة، قبل أن يُحذف المنشور لاحقاً من منصة "إكس".
ويذهب تقرير "اف بي أي" إلى ما هو أبعد من قضية الانتقام الفردي، إذ يوضح أن إيران نشطت خلال السنوات الماضية في مراقبة ومتابعة مواقع شخصيات ومنشآت يهودية وإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، في سياق ما يصفه التقرير بـ"العمليات الاستخباراتية القابلة للتحول إلى عمليات هجومية". ويضيف أن الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس، وما تبعها من احتكاكات بين إيران وإسرائيل، قد ترفع مستوى هذا النشاط داخل الأراضي الأميركية.

خامنئي لمح سابقا باستهداف ترامب ثأرا لسليماني
خامنئي لمح سابقا باستهداف ترامب ثأرا لسليماني

وفي السياق ذاته، يؤكد غلاشين أن واشنطن تكثّف عملها الاستخباراتي لمنع أي تهديد محتمل، مشيراً إلى تعاون وثيق بين مكتب التحقيقات الفيدرالي وعدد من المؤسسات الحكومية والجهات الدولية لتعقب الخلايا المرتبطة بطهران. ويأتي ذلك تزامناً مع تزايد نشاط وكلاء إيران في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله اللبناني، الذي يمثل وفق التقرير جزءاً رئيسياً من منظومة النفوذ الإيراني الممتدة عبر الشرق الأوسط.
وفي أغسطس/اب الماضي، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية، إلى جانب 13 دولة غربية، بياناً دانت فيه ما وصفته بـ"النشاط الاستخباراتي الإيراني العدواني"، معتبرة محاولات طهران لاستهداف معارضين أو مسؤولين أجانب على أراضيهم "اعتداءً على سيادتهم". وشمل البيان دولاً أوروبية عدة وكندا، ما يعكس حجم التوافق الدولي بشأن خطورة السلوك الإيراني في هذه المرحلة الحرجة من التوترات العالمية.
وفي التقييم الأوسع لملف التهديدات، ذكر غلاشين أن إيران ليست وحدها في قائمة التحديات، بل تأتي إلى جانب الصين وروسيا وكوريا الشمالية على رأس الدول التي تمثل أخطاراً سيبرانية وأمنية للولايات المتحدة. وقال إن هذه الدول مجتمعة تعمل على إضعاف البنية المؤسسية الأميركية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو العلمي، لكن طهران تبقى متميزة بطابع “الهجمات غير التقليدية” التي تشمل الاغتيالات والعمل عبر وكلاء محليين وإقليميين.
ومن أجل تعزيز الجهود الرامية إلى مراقبة ومنع النشاط الإيراني، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي عن إنشاء "مركز مهمات التهديدات الإيرانية"، وهو وحدة متخصصة بملفات الأمن السيبراني ومكافحة التجسس ومكافحة الإرهاب المرتبطة بإيران. ويأتي تأسيس هذا المركز ضمن إطار تنفيذ سياسات أميركية تركّز على "الضغط الأقصى"، وهو النهج الذي تبنّته عدة إدارات أميركية متعاقبة منذ 2018.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير أن مكتب التحقيقات نفّذ أكثر من 70 عملية توقيف منذ 20 يناير/كانون الثاني 2025 تتعلق بتهديدات استخباراتية، وهو ما يعد مؤشراً على ارتفاع وتيرة الأنشطة المرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة. ومع استمرار طهران في التلويح بالانتقام لسليماني، وتزايد التوترات الإقليمية في ظل الحرب في غزة والصدامات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، تبدو هذه التهديدات عاملاً إضافياً يهدد الأمن الدولي في مرحلة تعاني أصلاً من أزمات متعددة.
بهذه المعطيات، يرى مراقبون أن استمرار إيران في محاولة استهداف مسؤولين أميركيين، حتى بعد مغادرتهم مناصبهم، ينذر بمرحلة جديدة من التصعيد قد يتخطى الطابع الرمزي إلى إجراءات ميدانية قد تُشعل مزيداً من التوتر في منطقة الشرق الأوسط وتنعكس على الأمن العالمي بصورة أوسع.