القاهرة والدوحة تعززان الشراكة الاقتصادية باستثمار نوعي جديد
القاهرة - أعلنت الحكومة المصرية الأحد، توقيع عقد مع شركة المانع القابضة القطرية لتنفيذ مشروع صناعي بقيمة 200 مليون دولار لإنتاج وقود الطائرات المستدام في منطقة السخنة المتكاملة التابعة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في خطوة تعكس تحوّلًا ملموسًا في مسار العلاقات المصرية–القطرية.
ويُعدّ هذا المشروع أول استثمار صناعي قطري مباشر في هذه المنطقة الحيوية، ما يمنحه دلالة اقتصادية وسياسية تتجاوز أبعاده الاستثمارية المباشرة.
ووفق بيان مجلس الوزراء المصري، سيجري تنفيذ المشروع على ثلاث مراحل فوق مساحة تقدر بنحو 100 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية سنوية للمرحلة الأولى تصل إلى 200 ألف طن من وقود الطائرات المستدام، في إطار التوجه العالمي نحو تقليل الانبعاثات الكربونية ودعم التحول إلى الطاقة النظيفة، خاصة في قطاع الطيران الذي يشهد نموًا متسارعًا في المنطقة.
من الناحية الاقتصادية، يأتي الاتفاق في وقت تسعى فيه القاهرة إلى تكثيف جذب الاستثمارات الأجنبية، ولا سيما الخليجية، في ظل التحديات التي تواجهها على صعيد سداد الديون الخارجية وتقليص عجز الموازنة العامة. كما ينسجم المشروع مع استراتيجية الدولة لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز صناعي ولوجستي عالمي، واستقطاب استثمارات نوعية ذات قيمة مضافة عالية بدل الاقتصار على المشروعات التقليدية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن المشروع يمثل إضافة نوعية لقدرات المنطقة الاقتصادية، ويسهم في مواكبة التحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة، معتبرًا أنه يعزز قطاع الطيران بوصفه أحد القطاعات الواعدة في الاقتصاد المصري. غير أن حديث مدبولي تجاوز البعد الاقتصادي ليؤكد أن الاتفاق يعكس التطور الإيجابي في العلاقات بين القاهرة والدوحة، في ظل رغبة سياسية مشتركة في تحويل التقارب الدبلوماسي إلى شراكات اقتصادية ملموسة.
وسياسيًا، لا يمكن فصل هذا التطور عن مسار تحسّن العلاقات المصرية–القطرية بعد سنوات من الفتور والتوتر. فقد شهدت العلاقات بين البلدين جمودًا واضحًا خلال الفترة من 2017 إلى 2021 على خلفية دعم قطر لجماعة الإخوان المسلمين، قبل أن تضع المصالحة الخليجية حدًا لأربع سنوات من المقاطعة التي فرضتها مصر إلى جانب السعودية والإمارات والبحرين على الدوحة. ومنذ ذلك الحين، بدأت العلاقات تستعيد زخمها تدريجيًا، مدفوعة بإرادة سياسية لطي صفحة الخلافات السابقة.
وتعزز هذا المسار إعلان شركة الديار القطرية، الذراع العقارية لصندوق الثروة السيادية القطري، الشهر الماضي عن استثمار ضخم بقيمة 29.7 مليار دولار لإقامة مشروع عقاري وسياحي فاخر على ساحل البحر المتوسط في مصر، وهو ما يُعدّ أكبر استثمار قطري في البلاد منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية. ويُنظر إلى هذا المشروع، إلى جانب اتفاق وقود الطائرات، بوصفهما مؤشرين واضحين على انتقال العلاقات من مرحلة التهدئة السياسية إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية العميقة.
اقتصاديًا وسياسيًا، يحمل هذا الانفتاح المتبادل رسائل متعددة، إذ تسعى الدوحة إلى تنويع استثماراتها الإقليمية وتثبيت حضورها في واحدة من أكبر الأسواق العربية، فيما ترى القاهرة في رأس المال القطري شريكًا قادرًا على دعم خططها التنموية في مرحلة اقتصادية دقيقة. كما يعكس التقارب رغبة مشتركة في تحييد الخلافات الأيديولوجية السابقة لصالح مقاربة براغماتية تقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي.
ويمثل توقيع عقد وقود الطائرات المستدام أكثر من مجرد مشروع صناعي، فهو ترجمة عملية لمرحلة جديدة في العلاقات المصرية–القطرية، عنوانها إعادة بناء الثقة، وتوظيف الاقتصاد كرافعة لتجاوز إرث الخلافات السياسية، بما يعزز حضور البلدين في معادلات الاستثمار والطاقة في المنطقة.