اتحاد الشغل يستنفد آخر أوراقه في معركة لي الأذرع مع السلطة

قيادة اتحاد الشغل تتجاهل عدم قدرتها على التحشيد بسبب غياب ثقة المنتسبين وغضبهم من السياسات المتبعة.
اتحاد الشغل التونسي يسعى لتصدير أزماته بالاصرار على الاضراب العام
تصاعد الانتقادات من داخل الاتحاد يربك القيادة ويدفعها لاعلان الاضراب العام
الدعوة للاضراب العام تأتي رغم تشكيك بعض المنتسبين في شرعية القيادة الحالية

تونس - يبدو أن الاتحاد العام التونسي للشغل يخوض واحدة من أكثر محطاته تعقيدًا منذ عقود، وهو يعلن إضرابًا عامًا جديدًا في 21 يناير/كانون الثاني المقبل، في خطوة يراها مراقبون بمثابة آخر أوراق الضغط المتاحة للمنظمة النقابية في مواجهة السلطة، بعد تراجع ملحوظ في قدرتها على التعبئة والتأثير مقارنة بمحطات سابقة.

فبينما يقدّم الاتحاد الإضراب باعتباره دفاعًا عن الحقوق النقابية والحريات العامة والمطالب الاجتماعية، يرى متابعون أن القيادة الحالية للمنظمة تحاول عبر التصعيد الاجتماعي الالتفاف على أزمات داخلية عميقة تعصف بالاتحاد، تشمل خلافات تنظيمية وانقسامات داخل الهياكل، إضافة إلى انتقادات متزايدة تطال شرعية القيادة وخياراتها، وهو ما أضعف موقع الاتحاد وأثره في المشهد العام.

ويشير هؤلاء إلى أن الاتحاد لم يعد يمتلك الزخم الشعبي الذي مكّنه سابقًا من فرض إيقاعه، خاصة في ظل تغير السياق الاجتماعي والسياسي، ونجاح السلطة خلال الفترة الماضية في معالجة عدد من الملفات الاجتماعية الحساسة، من بينها الترفيع في الأجور وتسوية الوضعية القانونية لعمال المناولة، وهي خطوات اعتبرها كثيرون قد سحبت من يد المنظمة العمالية جزءًا مهمًا من أدوات الضغط التقليدية.

في المقابل، تواجه القيادة الحالية للاتحاد انتقادات من داخل صفوفها، حيث تتهمها أطراف نقابية بفقدان الشرعية، وبالعجز عن تجديد الخطاب والهياكل، بل وبالمساهمة في إحداث قطيعة بين المنظمة وقاعدتها، ما انعكس في فشل تحركات اجتماعية سابقة وعدم التجاوب الواسع معها. وتُطرح داخل الاتحاد دعوات صريحة لاستقالة الأمين العام نور الدين الطبوبي والقيادات المحيطة به، في تعبير واضح عن أزمة قيادة وتنظيم.

أنصار الرئيس لديهم مواقف معادية للقيادة الحالية للاتحاد
أنصار الرئيس لديهم مواقف معادية للقيادة الحالية للاتحاد

على مستوى العلاقة مع السلطة، يعود التوتر القائم إلى ما بعد 25 يوليو/تموز 2021، حين أعلن الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية شملت حل البرلمان وإقرار مسار دستوري جديد. ورغم أن اتحاد الشغل ساند تلك الإجراءات في بدايتها، فإن الخلافات سرعان ما ظهرت، خاصة بعد رفض الرئيس مبادرة الحوار الوطني التي أطلقها الاتحاد أواخر 2022.

وتؤكد الرئاسة التونسية، في أكثر من مناسبة، أن هذه الإجراءات تندرج في إطار حماية الدولة وقراراتها السيادية، وتصحيح مسار سياسي انحرف عن أهداف ثورة 2011، مع التشديد على أن الحقوق والحريات مكفولة، لكن دون السماح بتحويل العمل النقابي إلى غطاء لأجندات سياسية.

ويرى محللون أن رؤية الرئيس قيس سعيّد للدولة ودورها تتعارض جذريًا مع الدور السياسي الذي اعتاد الاتحاد لعبه لعقود، ما أدى إلى تآكل آلية الحوار الاجتماعي التقليدية، التي كانت قائمة منذ سبعينات القرن الماضي. ويعتبر بعضهم أن لجوء الاتحاد إلى الإضراب يعكس أيضًا محاولة لتصدير أزمته الداخلية نحو الخارج، وتوجيه الضغط بعيدًا عن خلافاته التنظيمية.

في هذا السياق، يشير المحلل السياسي هشام الحاجي إلى أن الوضع الداخلي للاتحاد شجّع على خيار الإضراب، معتبرًا أن القيادة تسعى إلى توحيد الصفوف مؤقتًا عبر معركة خارجية، لكنه يشكك في قدرة المنظمة، بوضعها الحالي، على إنجاح إضراب عام ذي تأثير سياسي، في ظل حالة اللامبالاة الشعبية والتجارب السابقة غير الموفقة.

في المقابل، يذهب أكاديميون آخرون إلى أن ما يحدث لا يرقى إلى قطيعة نهائية، بل هو توتر قابل للاحتواء وإعادة التفاوض، خاصة إذا ما أعيد ترتيب العلاقة بين العمل النقابي والدور السياسي، ضمن ما تسمح به إمكانات الدولة وتحدياتها الاقتصادية.

من جهته، يصر اتحاد الشغل على أن مطالبه اجتماعية بحتة، وأن الإضراب يهدف إلى استئناف الحوار الاجتماعي وتطبيق الاتفاقات، محذرًا من أن استمرار القطيعة قد يزيد من توتير المشهد العام في ظرف إقليمي ودولي دقيق.

في المحصلة، يبدو أن المشهد يعكس تراجعًا في قدرة اتحاد الشغل على فرض معادلاته السابقة، مقابل سلطة ماضية في إعادة ترتيب الأوضاع وفق تصور تعتبره يخدم مصلحة الدولة العليا. وبين هذا وذاك، يبقى الشارع التونسي متحفظًا إزاء شعارات لم تعد تلقى الصدى نفسه، في انتظار حلول عملية تتجاوز الضجيج السياسي وتستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية.