الجدل حول التطبيع يعيد اختبار التعايش الطائفي في العراق

مقتدى الصدر يطالب بمحاسبة رئيس البطريركية الكلدانية الكاثوليكية الكاردينال ساكو بسبب دعوته للتطبيع مع إسرائيل في قداس الميلاد.
السوداني انتقد بدوره دعوة ساكو للتطبيع خلال كلمته في القداس
مسألة التطبيع مع إسرائيل مثار جدل حاد في العراق
شخصيات سياسية مثل الآلوسي دافعت عن موقف البطريرط بشأن التطبيع
البطريركية في العراق تنفي الترويج للتطبيع مع اسرائيل

بغداد - أعادت دعوة زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر إلى محاسبة كل من يروج لـ"التطبيع كائناً من كان" تسليط الضوء على حساسية هذا الملف في العراق، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات سياسية ومجتمعية تمس الاستقرار الداخلي، ولا سيما في ظل التركيبة الدينية والقومية المتنوعة للبلاد. وجاءت هذه الدعوة على خلفية كلمة ألقاها رئيس البطريركية الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم، الكاردينال لويس روفائيل ساكو، خلال قداس أعياد ميلاد المسيح في بغداد، وردت فيها مفردة "التطبيع"، ما فتح الباب أمام موجة جدل واسعة تجاوزت البعد السياسي إلى أبعاد دينية واجتماعية دقيقة.
ويرى مراقبون أن تحميل هذه القضية أبعاداً عقابية، خصوصاً عندما تتصل بشخصية دينية تمثل مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع العراقي، قد يؤدي إلى تصدع في العلاقات بين الطوائف والأعراق، في وقت يحتاج فيه العراق إلى تهدئة داخلية وتعزيز التعايش المشترك بعد سنوات طويلة من الأزمات والصراعات. فالكلدان الكاثوليك يشكلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني، وأي تصعيد ضد مرجعياتهم الدينية قد يُفسر بوصفه استهدافاً لمكون بعينه، ما يهدد السلم الأهلي.
وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي متشابك، إذ لا تزال مسألة التطبيع مع إسرائيل مثار جدل حاد في العراق، في ظل مساعٍ دولية تقودها الولايات المتحدة لدفع بعض دول المنطقة نحو هذا المسار، مقابل رفض قوى سياسية عراقية، لا سيما المقربة من طهران، لأي نقاش علني حول هذا الملف، معتبرة إياه خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
وكان الصدر قد شدد في تدوينة له على أن "التطبيع جريمة يعاقب عليها القانون العراقي، وكل من يحرض أو يطالب بها كائناً من كان فهو ليس بمنأى عن العقوبة". وأضاف مطالباً الجهات الرسمية بالتحرك "فعلى الجهات الرسمية المختصة القيام بواجبها فوراً"، مؤكداً في الوقت ذاته {فلا مكان للتطبيع ولا لشرعنته في العراق". وقد أعادت هذه التصريحات إلى الواجهة قانون تجريم التطبيع الذي أقره البرلمان العراقي في عام 2022.
في المقابل، أثارت كلمة الكاردينال ساكو تفسيرات متباينة، إذ قال مخاطباً رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، الذي حضر القداس "هناك كلام عن التطبيع وأتمنى من الحكومة الجديدة أن يكون التطبيع في العراق ومع العراق بلد الأنبياء، كما أن التلمود قد كتب في بابل، فالعالم يجب أن يأتي إلى العراق وليس إلى مكان آخر". وقد اعتبر البعض أن حديثه حمل طابعاً ثقافياً ودينياً أكثر منه سياسياً، بينما رأى آخرون أن استخدام المصطلح بحد ذاته يظل إشكالياً في السياق العراقي.

ورد السوداني بدوره على ما ورد في كلمة ساكو، قائلاً إن "كلمة التطبيع غير موجودة في قاموس العراق لأنها ارتبطت بكيان محتل استباح الأرض والإنسان، كما لا نحتاج إلى تطبيع إنما إلى الأخوة والمحبة والتعايش، والالتزام الشرعي والقانوني والدستوري فهو الذي يحتم علينا هذه العلاقة". وجاء هذا الرد في محاولة لاحتواء الجدل وتأكيد الموقف الرسمي الرافض لأي تقارب مع إسرائيل.
ويستند الرافضون للتطبيع إلى الإطار القانوني، إذ أقر مجلس النواب العراقي قانون "تجريم التطبيع" الذي ينص على عقوبات تصل إلى السجن المؤبد، ويهدف إلى "منع إقامة العلاقات الدبلوماسية أو السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الثقافية أو أية علاقات من شكل آخر مع الكيان الصهيوني المحتل". كما تنص المادة 201 من قانون العقوبات العراقي على عقوبات مشددة بحق من يروج لـ"مبادئ الصهيونية".

وأصدرت الدائرة الإعلامية في البطريركية، اليوم الخميس، بيانًا توضيحيًا ردّت فيه على تسجيل صوتي متداول عبر عدد من المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، يزعم قيام ساكو، بزيارة إلى إسرائيل.
وأكد البيان أن التسجيل المذكور عارٍ تمامًا عن الصحة ولا أساس له من الواقع، واصفًا إياه بالمفبرك، ومشدّدًا على أن البطريرك ساكو لم يقم في أي وقت بزيارة إسرائيل، على الرغم من امتلاك البطريركية كنيسة في مدينة القدس.
وأوضح أن البطريرك، وحتى خلال مرافقة قداسة البابا فرنسيس في زيارته إلى المنطقة، وبعد محطته في الأردن، امتنع عن التوجّه إلى إسرائيل احترامًا لموقفه الثابت والداعم للقضية الفلسطينية.
واعتبرت البطريركية أن ترويج مثل هذه التسريبات المضللة يهدف إلى إثارة البلبلة والتشويش ولا يخدم مصلحة العراق ولا يراعي حساسية الظرف العام.

ورغم ما أثارته تصريحات ساكو حول التطبيع من انتقادات لكن شخصيات سياسية مثل مثال الآلوسي دافعت عنه، معتبرة أن التركيز على النقد يفاقم الانقسامات ويعيق مسار التعايش الوطني. وأوضح الآلوسي أن التطبيع في جوهره يعني الإصلاح ونبذ النزاعات، وأن رفضه يعكس تمسكًا بالمواقف الفاشلة ويؤدي إلى تشديد الانقسامات بين المكونات الطائفية والإثنية.

وأشار في تصريح لموقع شفق نيوز الكردي العراقي إلى تجربة اتفاق سنجار كنموذج للتطبيع، حيث ساهم الاتفاق في إعادة تنظيم الأوضاع في المنطقة التي يشكل الإيزيديون غالبية سكانها، وخلق بيئة آمنة للعيش المشترك بين مختلف الطوائف والأقليات. وفي الوقت نفسه، شدد الآلوسي على أن فشل التطبيع في بعض المناطق يعود إلى قوى تعرقل تطبيق القوانين الدستورية أو تسعى لتقييد حقوق الأقليات وفق تفسيرات ضيقة للدين.

وعلى صعيد أوسع، أكد الآلوسي أن مفهوم التطبيع يتجاوز السياسة ويشمل الإصلاح الداخلي ونبذ الصراعات التي تعيق البناء والتغيير، مؤكدًا أن العراق بحاجة إلى تبني التطبيع داخليًا لتعزيز التعايش بين جميع مكوناته. وأضاف أن ما ذكره ساكو يمثل حقائق تاريخية، مشيرًا إلى الإرث الحضاري الغني للعراق، وأن رفض التطبيع يعد "تمسكًا بالفشل الضار"، داعيًا الحكومة المقبلة إلى خطوات عملية لدعم الاستقرار الوطني.

ولا يقيم العراق أي علاقات رسمية مع إسرائيل، ويؤكد معظم الفاعلين السياسيين أن هذا الموقف مرتبط باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية ورفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومع تصاعد السجال الأخير، يحذر محللون من أن تحويل الخلافات السياسية إلى صدامات تمس الرموز الدينية قد يعمق الانقسامات، ويضع اختباراً جديداً أمام قدرة العراق على حماية تنوعه والحفاظ على توازنه الداخلي في مرحلة شديدة الحساسية.