انقلاب في المعايير الصحية: دهون الألبان تقي من الخرف
لندن - في تحول جذري قد يعيد صياغة خريطة التوصيات الغذائية العالمية، كشفت سلسلة من الدراسات الطبية الشمولية الصادرة في النصف الثاني من ديسمبر 2025 عن نتائج "غير متوقعة" تربط بين استهلاك دهون الألبان والوقاية من الخرف، بالتوازي مع تأكيد أمان الأنظمة النباتية للأطفال، مما يضع الهيئات الصحية أمام ضرورة مراجعة المفاهيم السائدة حول الدهون المشبعة والبروتين النباتي.
دهون الألبان: "درع" غير متوقع ضد التدهور المعرفي
في دراسة طولية وصفتها الأوساط الطبية بأنها "الأكثر شمولاً" في العقد الأخير، تتبع باحثون من جامعات أوروبية وأميركية رائدة، في تقرير نُشر بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الاول، العادات الغذائية لأكثر من 30 ألف مشارك على مدار 25 عاماً.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين حافظوا على استهلاك منتظم للألبان كاملة الدسم، وخاصة الأجبان المعتقة والقشدة، سجلوا انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بالخرف بنسبة وصلت إلى 18% مقارنة بنظرائهم الذين اتبعوا أنظمة غذائية منخفضة الدهون أو خالية من الألبان.
وتنسف هذه النتائج عقوداً من التحذيرات الطبية التي كانت تصنف الدهون المشبعة في الألبان كعدو أول لصحة الأوعية الدموية. ويشير العلماء في تفسيرهم للظاهرة إلى دور "غشاء غلوبول دهون الحليب" (MFGM)، وهو مكون معقد يحيط بقطرات الدهون في الحليب الطبيعي.
ويبدو أن هذا الغشاء يحتوي على دهون فوسفاتية وبروتينات فريدة تعمل على ترميم "الغمد المياليني" المحيط بالأعصاب في الدماغ، وهو الغلاف الذي يتآكل عادة مع تقدم العمر أو الإصابة بأمراض التحلل العصبي مثل الزهايمر.
علاوة على ذلك، سلطت الدراسة الضوء على فيتامين (K2) الموجود بكثافة في الأجبان المخمرة، موضحة أنه يلعب دوراً حيوياً في منع تكلس الشرايين الدقيقة داخل الدماغ، مما يضمن تدفقاً دموياً مستقراً يحمي الخلايا العصبية من الموت التدريجي.
النظام النباتي للأطفال: كسر قيود النمو
وفي سياق غذائي آخر لا يقل أهمية، أصدر تحالف دولي من خبراء التغذية والطب السريري في 23 ديسمبر نتائج تحليل شمولي (Meta-analysis) هو الأضخم من نوعه، لتقييم أثر الأنظمة الغذائية النباتية (Vegetarian/Vegan) على نمو الأطفال.
التحليل الذي شمل بيانات من 45 دراسة عالمية، حسم الجدل الطويل حول كفاية البروتين النباتي، مؤكداً أن الأطفال النباتيين ينمون بمعدلات طول ووزن وكثافة عظام تضاهي تماماً أقرانهم الذين يستهلكون اللحوم، بل ويتفوقون عليهم في مؤشرات صحة القلب والتمثيل الغذائي. وأظهرت البيانات أن هؤلاء الأطفال يتمتعون بمستويات كوليسترول ضار (LDL) أقل بنسبة 15%، مما يقلل من احتمالات إصابتهم بأمراض القلب المبكرة في المستقبل.
شرط صارم
ومع ذلك، وضع التقرير "شرطاً صارماً" لهذا الأمان، وهو التخطيط الغذائي الدقيق. وحذر الخبراء من أن الأنظمة النباتية غير المدروسة قد تؤدي إلى نقص حاد في فيتامين (B12) وأوميغا-3 (DHA)، وهي عناصر لا غنى عنها لنمو الدماغ الإدراكي والذكاء لدى الأطفال في مراحل النمو الحرجة.
صراع المفاهيم وتحديات السياسة الصحية
تأتي هذه التقارير المتزامنة لتخلق حالة من التحدي لصناع القرار الصحي. فمن جهة، تعيد الاعتبار لدهون الألبان التي تم شيطنتها لسنوات، ومن جهة أخرى، تمنح الضوء الأخضر للتحول نحو النزعة النباتية حتى في الأعمار الصغيرة.
ويقول الدكتور جوليان مور، كبير الباحثين في الدراسة الطولية للألبان: "نحن لا ندعو للإسراف في الدهون، لكننا نعيد تعريف (الدهون الصحية). يبدو أن الطبيعة وضعت في الحليب نظاماً دفاعياً للدماغ لم نكن نفهمه جيداً".
وفي المقابل، تشير الدكتورة سارة وينستون، المشرفة على تحليل الأنظمة النباتية، إلى أن "المستقبل يتجه نحو التخصيص الغذائي. يمكن للطفل أن ينمو بشكل مثالي على نظام نباتي، تماماً كما يمكن للبالغ أن يحمي دماغه بقطعة من الجبن المعتق، السر دائماً يكمن في جودة المصدر الغذائي لا في تصنيفه السطحي".
يتوقع المحللون أن تؤدي هذه النتائج إلى تغيير في ملصقات الأغذية وتوصيات منظمة الصحة العالمية في مطلع عام 2026، مع توجه أكبر نحو تشجيع الأغذية "كاملة البنية" (Whole Foods) والابتعاد عن المنتجات "قليلة الدسم" المصنعة التي غالباً ما تُعوض الدهون فيها بالسكريات الضارة.
ختاماً، تبقى هذه الدراسات حجر زاوية في فهم العلاقة المعقدة بين ما نأكله وكيف تفكر أدمغتنا، مما يفتح الباب أمام "طب التغذية الوقائي" كبديل أكثر استدامة للتدخلات الدوائية المتأخرة.