حادث بسيط.. فيلم عن انتصار الإنسانية

المخرج الإيراني جعفر بناهي يقدم في فيلمه مزيجًا من الكوميديا وبعض السريالية والميتا-فيلم بأسلوب ساخر يُظهر انحطاط الأنظمة القمعية.
الياس حموي
دمشق

فاز فيلم "كان مجرد حادث" للمخرج الإيراني جعفر بناهي بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الثامن والسبعين، الذي عُقد في مايو/أيار الماضي من هذا العام، وهذه ليست المرة الأولى التي يفوز فيها فيلم لبناهي بجائزة مرموقة، فقد فاز سابقًا بالكثير من الجوائز، كان أهمها الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي عن فيلمه "تاكسي طهران" عام 2015. وقد تعرّض بناهي للسجن في بلده على يد النظام الإيراني بتهمة الدعاية ضد النظام السياسي، وكان دائمًا يصوّر أفلامه بالسر كما حدث مع فيلمه هذا.

رجل الخنزير:

يروي الفيلم قصة إقبال (إبراهيم عزيزي)، الضابط في المخابرات الإيرانية، الذي يصدم كلبًا بسيارته أثناء عودته ليلًا هو وزوجته وابنته، فيقوم بإيصالهم إلى المنزل ويذهب إلى أقرب ميكانيكي كي يُصلح له السيارة. ولسوء حظه يكون هذا الميكانيكي فهيد (وحيد ميصري)، أحد الذين عذّبهم في السجن بسبب مظاهرة عمالية كان فهيد قد شارك بها. يتعرّف عليه فهيد من صوته ورجله الصناعية التي لُقّب بسببها بلقب "رجل الخنزير"، وحين يتعرّف إليه فهيد يقوم بتقييده ووضعه في صندوق سيارته، ويذهب للتأكّد من هويته قبل أن يقوم بأي عمل ضده. فيذهب كي يقابل معتقلين سابقين كان إقبال قد عذّبهم، فيصادف في طريقه شيفا (مريم أفشاري)، المصوّرة الفوتوغرافية التي اعتُقلت أيضًا لمشاركتها في مظاهرة ضد النظام، وقام إقبال بتعذيبها. وأثناء مقابلته لشيفا تكون في مهمة تصوير للعروس جولي (حديث باكباطن)، التي كانت زميلتها في المعتقل، والتي عذّبها إقبال أيضًا وقام بفضّ بكارتها. فيتعرّفون جميعهم عليه ويقرّرون الانتقام منه، كما يصادفون حميد، أحد ضحايا إقبال. وفجأة يحدث أمر لم يكن في الحسبان، حيث يرن هاتف إقبال، وتكون المتصلة ابنته تخبره فيه أن أمها الحامل قد أُغمي عليها وتطلب منه أن يأتي ويسعفها إلى المستشفى. فينقسم الخاطفون إلى فريقين: فريق يؤيّد الذهاب ومساعدة الزوجة، وفريق يرفض مساعدة زوجة من عذّبهم ذات يوم، لكن فهيد يذهب ويأخذها إلى المستشفى، وتلد هناك، ويخبر إقبال بهذا. ويقرّر فهيد قتله ودفنه بعدها، لكن إقبال يحاول أن يبرّر لفهيد وجولي وشيفا وحميد أنه كان يقوم بواجبه أثناء تعذيبهم، لأنهم بنظره ونظر مرؤوسيه أعداء البلاد، ويؤكّد لفهيد أنه إذا قتله الآن سيعتبر نفسه شهيدًا. لكن فهيد يرفض أن تتساوى الضحية مع الجلاد، ويرفض أن يكون مجرمًا مثله، ويقرّر ألّا يقتله، ويفكّ يديه، ويبقي عينيه معصوبتين، ويطلق سراحه. ورغم هذا يهدّده إقبال أنه سيصل إليه ذات يوم، وفعلاً يحصل هذا، حيث نرى فهيد في منزله، ومن خلفه نسمع صوت قدم إقبال آتيًا للقبض عليه، لكننا نسمع الصوت يبتعد لأن إقبال قد عفا عنه وقرّر تركه لأنه لم يقتله وأنقذ زوجته.

تكوينات بديعة:

صوّر بناهي فيلمه بلقطات عامة تُظهر جمالية الصحراء بتكوينات بديعة تذكّرنا بأفلام الأخوين كوين، مع اعتماده على اللقطات المتوسطة والقريبة التي تُظهر انفعالات ومشاعر الشخصيات، فكان الفيلم مزيجًا من الكوميديا وبعض السريالية والميتا-فيلم بأسلوب ساخر يُظهر انحطاط الأنظمة القمعية والظلم والأذى الذي يصيب الناس بسببها، وكان فيلمًا جميلًا متكاملًا نصًا وإخراجًا.