القضاء العراقي يحذر من الزج به في صراع مرشح رئاسة الوزراء

مجلس القضاء الأعلى يؤكد أن تزامن التوقيتات الدستورية الخاصة بتكليف مرشح رئاسة الوزراء مع تصاعد حملات إعلامية غير معلومة المصدر، يعكس محاولة متعمدة لتوظيف اسم القضاء في الصراع السياسي.
موقف القضاء العراقي يكشف جحجم التجاذيات المتعلقة باختيار رئيس للوزراء

بغداد - في خضم الجدل المحتدم حول ملامح المرحلة السياسية المقبلة في العراق، يتصاعد الخلاف بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، ولا سيما ما يتعلق باختيار المرشح لمنصب رئيس الوزراء، وسط استمرار النقاشات المعقدة داخل قوى "الإطار التنسيقي". هذا الجدل لم يعد محصوراً داخل الغرف السياسية المغلقة، بل تمدد إلى الفضاء الإعلامي والقضائي، ما دفع مؤسسات رسمية إلى اتخاذ مواقف حازمة لتحديد حدود مسؤولياتها ومنع الزج بها في صراع النفوذ الدائر.
ففي خطوة لافتة، أعلن مجلس القضاء الأعلى موقفاً صارماً إزاء محاولات ربط المؤسسة القضائية بملف ترشيح رئيس الوزراء، محذراً من اتخاذ إجراءات قانونية بحق الجهات أو الشخصيات التي تحاول الإيحاء بتدخل القضاء في هذا الشأن. المجلس أكد بوضوح أن السلطة القضائية تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأن اختيار رئيس الحكومة شأن سياسي بحت تحدده الآليات الدستورية والتفاهمات البرلمانية، وليس من اختصاص القضاء بأي حال من الأحوال.
وأوضح المجلس أنه "مع بدء التوقيتات الدستورية لإختيار المرشح لمنصب رئيس الوزراء لوحظ ان بعض الجهات السياسية والشخصيات المتنافسة على هذا المنصب تزج اسم السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى في تبني او ترشيح شخصيات معينة وتستخدم هذه الشخصيات مواقع إعلامية مجهولة الهوية لبث هذه الشائعات للإساءة إلى القضاء عبر نشر معلومات مزيفة غايتها الاساءة للقضاء واضعاف فرص منافسيهم في الوصول إلى منصب رئاسة الوزراء".

وتابع " نكرر ما تم توضيحه بتاريخ 27 / 11 /2025 ان القضاء لا يتدخل في ترشيح شخص معين لان هذا الأمر ليس من إختصاصه وسوف يتم إتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يخالف القانون عبر الاساءة إلى سلطة القضاء المستقلة دستورياً."

وجاء هذا الموقف القضائي في وقت تشهد فيه الساحة الشيعية انقساماً واضحاً حول هوية المرشح الأنسب لقيادة الحكومة المقبلة. فالإطار التنسيقي، الذي يضم القوى السياسية الشيعية الرئيسية، عقد خلال الأسابيع الماضية سلسلة اجتماعات، بعضها بعيد عن الأضواء، في محاولة للتوصل إلى صيغة توافقية. وكشفت تسريبات سياسية عن طرح عدة أسماء، من بينها رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، إلى جانب رؤساء حكومات سابقين وشخصيات أمنية بارزة، في مؤشر على عمق الخلاف وعدم وجود مرشح يحظى بإجماع حقيقي.
ومع تعثر هذه الاجتماعات، بات واضحاً أن المفاوضات وصلت إلى ما يشبه حالة الجمود، حيث تصطدم كل محاولة للتقارب بحسابات معقدة تتعلق بتوازنات النفوذ داخل الإطار نفسه. فالأزمة لم تعد مجرد اختلاف حول كفاءة هذا الاسم أو ذاك، بل تحولت إلى صراع أوسع على شكل المرحلة المقبلة، ومن يمتلك القرار داخل البيت الشيعي.
وتزداد الصورة تعقيداً مع دخول العامل الخارجي على خط الأزمة. فالكثير من القوى السياسية باتت تقرّ، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأن حسم منصب رئيس الوزراء لا ينفصل عن حسابات القبول الدولي، ولا سيما الموقف الأميركي. هذا الواقع يضع الإطار التنسيقي أمام معادلة صعبة، إذ يجد نفسه مطالباً بالتوفيق بين رغبات قاعدته السياسية الداخلية ومتطلبات البيئة الإقليمية والدولية، في ظل وضع سياسي هش وانسداد مستمر في الأفق.
ويرى مراقبون أن الإطار التنسيقي يتحرك حالياً في دائرة مغلقة، ينتقل فيها من اسم إلى آخر دون أن يتمكن من كسر الحلقة. فكل مرشح محتمل يواجه اعتراضات من داخل الإطار، أو تحفظات من قوى مؤثرة، أو إشارات خارجية غير مشجعة، ما يعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر. وفي هذا السياق، تبدو التصريحات الرسمية التي تتحدث عن تقدم في الحوارات أقرب إلى محاولة لاحتواء القلق العام، أكثر من كونها انعكاساً لحلول حقيقية.
وبينما يواصل القضاء تأكيد استقلاله ورفضه الانخراط في لعبة الترشيحات، يبقى ملف رئاسة الحكومة اختباراً صعباً لقدرة القوى الشيعية على إدارة خلافاتها الداخلية. فالتوصل إلى تسوية يتطلب، وفق متابعين، تنازلات متبادلة ورؤية مشتركة توازن بين المصالح المتضاربة، وتفرز شخصية قادرة على عبور التعقيدات الداخلية والخارجية معاً. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الجدل قائماً، وستبقى الحكومة المقبلة رهينة حسابات سياسية لم تنضج بعد.