بديع خيري وصناعة الضحك: كيف شكل المسرح الكوميدي الوجدان المصري بين ثورتين؟
تعد الكتابة عن تاريخ المسرح في مصر بمثابة كشف لعمق الهوية المصرية، حيث لا تمثل الخشبة مجرد فضاء للعرض، بل هي ساحة تشكلت فيها ملامح الوعي الوطني وامتزجت فيها سخرية الشعوب بآلامها وطموحاتها، من هنا يأتي كتاب "المسرح الكوميدي في مصر من 1918 إلى 1967.. بديع خيري نموذجا" ليقدم قراءة استثنائية لا تكتفي برصد الأحداث، بل تسعى لتفكيك بنية العقل الجمعي المصري عبر مرآة الكوميديا، حيث يطل علينا أستاذ علوم المسرح د.نبيل بهجت في كتابه برؤية تتجاوز التأريخ التقليدي، ليجعل من الفن وسيلة لبناء الضمير الحي وتدريب الروح على ممارسة النقد والتحليل.
يفتتح بهجت كتابه الصادر عن الهيئة العربية للمسرح برؤية فلسفية تعتبر أن مهمة الفن الأسمى هي بناء ذلك الوعي اليقظ والضمير الحي، وهو بناء لا ينهض عبر ركام المعلومات أو الغرق في التعقيدات النظرية، بل يتجلى من خلال التجربة والممارسة الحية، فالفن في جوهره هو الوسيلة الأنجع لتشكيل عوالمنا الداخلية قبل أن نلتفت لتشكيل وعينا بالعالم الخارجي، فهو يدرب الروح على التحليل والتفكيك ثم إعادة البناء، ويعلمنا أبجديات الإصغاء قبل الكلام، وقواعد التفكير والتعقل قبل الفعل، فالفن هنا هو أداة للرؤية لا للإخبار، ووسيلة لخلق السؤال الذي يفتح آفاق الذهن أكثر من كونه مصدرا لتقديم إجابات معلّبة، إذ يظل الفن معنيا على الدوام بـ"كيف نرى" لا "ماذا نرى"، وهذا هو المربط الأهم في العملية الإبداعية التي تسعى لتحقيق الوعي والإدراك الخاص والعقل الناقد، حيث يكون الطريق هو المقصود لا الهدف النهائي، وهو طريق يسهم في بناء إنسان قادر على الانحياز المطلق للقيم الإنسانية الكبرى كالعدالة والمساواة، إنسان يدرك بحدسه الناقد الفرق بين الحقيقة والوهم وينتصر للحق وينصف الضعفاء وينبذ عبادة الأقوياء، ولا سبيل لتحقيق هذه الغاية النبيلة إلا بخروج العملية الإبداعية من شرنقة التقليد إلى آفاق التجريب، ومن رتابة النقل إلى حيوية النقد، ومن دعة الامتثال إلى شجاعة الاحتمال، فجودة التجربة هي وحدها الطريق المعبد لجودة الإبداع، فالفن ليس سباقا أو منافسة محمومة، بل هو محاولة دؤوبة لبناء عقل ناقد ووعي يقظ وضمير حي.
انطلاقا من هذه الرؤية الفلسفية تأتي دراسة تطور المسرح الكوميدي في مصر بوصف المسرح أحد أعمق أشكال الفن قدرة على كشف وعي المجتمع بذاته، وتحريك ضميره الجمعي، وطرح الأسئلة الجوهرية حول قيم الحرية والعدالة، فالكوميديا في جوهرها ليست مجرد وسيلة للترفيه العابر، بل هي أداة نقدية حادة تتوسل الضحك لتعرية الواقع وإيقاظ الوعي النائم، وتغطي هذه الدراسة مرحلة بالغة الثراء في تاريخ المسرح المصري تمتد من عام 1918 حتى عام 1967، وهي الفترة التي شهد فيها هذا الفن تحولا جذريا من المحاولات الأولى ذات الطابع التأسيسي إلى بناء تجربة مصرية أصيلة تزاوج بين النقد الاجتماعي وروح الفكاهة الشعبية، وقد برز في هذه المرحلة علمان من أعلام الكوميديا المصرية هما بديع خيري وأبوالسعود الإبياري، اللذان صاغا ملامح الكوميديا الحديثة وأسهمَا في تشكيل الوعي الجمعي، وتصب هذه الدراسة تركيزها على مسرح بديع خيري كجزء أول من مشروع بحثي شامل، وقد نشرت هذه الدراسة في طبعتها الأولى عام 2001 ضمن سلسلة كتاب الهلال، وهي اليوم تعود في طبعة ثانية مزيدة ومنقحة لتقدم رؤية شاملة لمسار الكوميديا المصرية في نصف قرن من التحولات الفنية والاجتماعية العاصفة.
د.نبيل بهجت يضعنا في كتابه أمام حقيقة أن الكوميديا والفكاهة هما من أهم مكونات العقل الجمعي المصري
استند بهجت في دراسته هذه إلى مناهج علمية متعددة، حيث زاوج بين المنهج التاريخي لرصد نشأة وتطور المسرح الكوميدي في ظل التحولات السياسية، والمنهج التحليلي لتفكيك البنية الدرامية والأنواع الفنية، والمنهج التحليلي المقارن لمقاربة النصوص المصرية بما تأثرت به من موروث شعبي غني، ويبرز اسم بديع خيري في هذه الدراسة كأحد أعمدة المسرح المصري الذين تربّعوا على قمة الساحة لنحو نصف قرن، لدرجة أن كلماتِه وأغانيه لا تزال تعيش في وجداننا دون أن يدرك الكثيرون أنها من إبداعه، فقد كتب لمعظم الفرق الكبرى كفرقة عكاشة ومنيرة المهدية وعلي الكسار، وصولا إلى فرقته الأثيرة مع نجيب الريحاني، حيث شكّلا ثنائيا فنيا فريدا أنتج كل أعمال الريحاني منذ عام 1918 حتى وفاته عام 1949 باستثناء ستة نصوص فقط، وتتجلى أهمية بديع خيري في ارتباط مسرحه بنشأة الفكر الوطني ونموه، حيث تفتحت تجربته في إطار التحولات الفكرية المرافقة للحركة الوطنية، متأثرا بالحزب الوطني ثم ملتزما بمبادئ حزب الوفد، مما يجعل دراسة مسرحه مدخلا لفهم العلاقة بين الإبداع والحراك الاجتماعي والسياسي، وقد اعتمدت الدراسة على مسرحياته كمخطوطات أصلية في مكتبة المركز القومي للمسرح، وتوزعت على فصول ثلاثة تتبعت حياته وروافده الشعبية كألف ليلة وليلة وخيال الظل والأراجوز، وصولا إلى تحليل بنائه الدرامي في مختلف القوالب من "الفودفيل" والكوميديا الاجتماعية إلى "الميلودراما" و"الريفيو".
يضعنا بهجت في كتابه أمام حقيقة أن الكوميديا والفكاهة هما من أهم مكونات العقل الجمعي المصري، وقد رصد الكتاب الفترة ما بين 1918 و1967 التي شهدت تحولات كبرى بدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى وقيام ثورة 1919، وتأسيس حزب الوفد الذي اعتمد التفاوض منهجا، وتراجع الحزب الوطني وشعاره "لا مفاوضات إلا بعد الجلاء"، كما شهدت أحداثا جساما كخروج الجيش المصري من السودان وانفصال الدولتين، وكتابة دستور 1923 وتعطيله، وسقوط دولة الخلافة، وتشكيل الوفد للوزارة عدة مرات، وتوقيع معاهدة 1936، وحادثة فبراير 1942، وصولا إلى التحول الكبير من الملكية إلى الجمهورية عقب ثورة يوليو 1952، وما تبعه من تغيير شامل في بنية البلاد فكريا واقتصاديا، وفي كل هذه المحطات، كان المسرح الكوميدي حاضرا كفاعل أساسي في تشكيل ردود أفعال العقل الجمعي وتحديد مواقفه، إلا أن المؤلف يطرح رؤية نقدية لافتة لتجربة بديع خيري، موضحا كيف اعتمدت في ملامحها على الحبكة العاطفية والغنائية والنهايات السعيدة والشخصية النمطية لاستثمار الواقع ومغازلة الشعور الجمعي، فالمسرح آنذاك لم يدع للثورة بقدر ما واكبها بأغانيه واستعراضاته التي استجابت للميل الطربي في الذائقة العامة، وهو ما جعله عرضة لنقد النقاد.
يرى بهجت أن التزام بديع خيري بمنهج الحظ والمصادفة والقدرية، وفكرة الانتقال الطبقي عبر المرأة وانتظار المخلّص، قد قدم أنماطا من الحلول التي تحقق الاستسلام للواقع وتعلن استعصاء مشكلاته على الحل المنطقي، وبذلك ظل المسرح الكوميدي يغذي التفكير العاطفي لدى الجماهير، مؤكدا عبر تلك النهايات السعيدة أن كل شيء سيصبح بالضرورة على ما يرام، مستلهما من التراث الشعبي ثنائية الصراع البسيط بين الخير والشر، مما دعم الاستقطاب والتسطيح والتفكير الثنائي، حيث لا قيمة للمنطق أمام المعجزات والكنوز والخوارق، وهذا في نظر المؤلف قد يعزز الرغبة في الحلول السريعة دون بذل الأسباب، وربما يفسر حجم الإخفاقات التي أعقبت ثورة 1919 بما في ذلك الإخفاق في التخلص من الاحتلال الذي استمر عقودا، فالحلول الدرامية التي استبعدت جدوى الفعل الإنساني وعمدت لمغازلة العاطفة كانت حاجزا أمام الخلاص الحقيقي، لأن الاستثمار في التفكير العاطفي يأتي دوما على حساب تغييب التفكير النقدي، وقيمة الفن الحقيقية تكمن في تدريب الإنسان على حل المشكلات وتجاوز العقبات، فإذا قدم حلولا مسمومة عمق مشكلات الواقع وأصبح أداة في أيدي الطغاة والمحتلين لفرض السيطرة.
لقد واجه المسرح الكوميدي في تلك الحقبة هجمات نقدية شرسة من صحف "البشير" و"المنبر" و"الأهرام" ضد ما اعتبروه "تمثيلا هزليا" وحبكات تدور حول الخيانة الزوجية، وأدت تلك الحملات إلى إجهاض تجارب رائدة كتجربة عزيز عيد، لأنها اعتمدت على النقل عن المسرح الغربي تحت شعار "التمصير"، وهو ما يراه المؤلف انحيازا لثقافة الغالب وتقليدا له – بتعبير ابن خلدون – مما أبطأ نمو المسرح المحلي الأصيل، وجعل المسرح الكوميدي في كثير من الأحيان أداة للتسلية وتكريسا لحالة الرضا عن السلطة والخضوع لها وفق منطق "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، كما في مسرحية "لو كنت ملك"، حيث تحرك النقد ضمن الحدود المسموح بها، وبالرغم من كل هذه المآخذ، فإن هذه التجارب مثّلت ريادة حقيقية للمسرح المصري والعربي، وقدّمت أشكالا من الفكاهة لا تزال عالقة في الأذهان، كما مهدت الطريق لتعميق المسرح كوسيلة تعبير، وقدّمت نموذجا إنتاجيا فريدا ومستقلا اعتمد على الجمهور كداعم أساسي ووحيد، فكانت الفرق تتعثر وتتوقف بمجرد أن يدير لها الجمهور ظهره، وهو ما جعل مغازلة مشاعر الجمهور سبيلا للاستمرار، كما حدث في تجربة "الجنيه المصري" للريحاني.
لقد دارت السجالات آنذاك حول سؤال مصيري: هل ننحاز للجمهور أم نفرض رؤية فنية تغاير اتجاهاته؟ وفي خضم هذا الجدل، برز موقف الدكتور طه حسين الذي رثى الريحاني في جريدة الأهرام عام 1949 معتبرا مسرحه "جامعة شعبية" ووسيلة للتطهير والترفيه معا، حيث جمع بين كشف العيوب الاجتماعية ومنح الجماهير فسحة للفرح وسط أعباء الحياة، مؤكدا أن هذا الفن البسيط أسهم في تأسيس وعي فني ناضج ومستقل، كما انتقد طه حسين تجاهل الدولة لهذا المسرح بينما تفكر في إنشاء جامعة شعبية، مؤكدا أن مسرح الريحاني هو خير قسم من أقسام تلك الجامعة، وفي الختام، يرى الدكتور نبيل بهجت أن تلك التجارب كانت الرحم الأول لتشكل المسرح العربي والمصري، ونموذجا للتجارب الإنتاجية المستقلة التي ابتعدت عن منظومات التمويل المحلي أو الخارجي لخلق سوق حقيقية للفن، لذا فإن مهمتنا اليوم هي الاستثمار في هذا التأسيس والبناء عليه، لا تكراره أو البقاء كصدى له، وذلك من أجل ترسيخ وعي مستقل وعقل ناقد يكون قادرا على فهم الروافد التي شكلت وعينا وإعادة تصحيح المسار متى لزم الأمر، فالسؤال حول "كيف صرنا إلى ما نحن عليه" لا يزال مطروحا، ويحتاج منا إلى مزيد من الجهد والوقت للفهم والتجاوز.
يبقى أن نشير إلى أن الكتاب بوصفه عملا تأسيسيا يتجاوز كونه دراسة تاريخية إلى كونه قراءة نقدية في تشكل الوعي المصري عبر المسرح، حيث لا يعامل الكوميديا كهوامش للضحك، بل كخطاب ثقافي قادر على التأثير في بنية التفكير الجمعي وصياغة المواقف من الواقع. وتكمن أهميته في جرأته على مساءلة الموروث المسرحي دون الانتقاص من ريادته، وعلى إعادة النظر في العلاقة بين الفن والسلطة والجمهور، بعين تحليلية لا تهادن ولا تدين، وإنما تفكك وتفهم. ومن هنا، يظل هذا المؤلف مرجعا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى قراءة تاريخ المسرح المصري لا باعتباره أرشيفا للعروض، بل بوصفه مرآة لتحولات المجتمع وأسئلته الكبرى، ودعوة مفتوحة لاستكمال مشروع الوعي النقدي الذي بدأه المسرح ولم ينته بعد.

