الفن والاحتجاج في تجربة رضا غراب الفريدة
داخل فضاء تتجاور فيه اللوحات والمنحوتات والمواد المرسكلة وتلك المُعدّة لإعادة التدوير، اختار لنفسه ركنا خاصا يحوّله إلى ورشة دائمة للبحث والتجريب. هناك، يمارس الفنان رضا غراب شغفه بتحويل المواد المستعملة إلى أعمال فنية إبداعية ذات بصمة متفرّدة، مستثمرا الجرائد وأنواع الورق المختلفة ومواد أخرى مستهلكة، ليمنحها حياة جديدة في شكل أعمال تجمع بين جمالية التصميم وعمق الالتزام الإنساني تجاه القضايا الاجتماعية والبيئية.
رضا غراب، فنان تشكيلي يرفض الانتماءات الجاهزة والتصنيفات المسبقة، ويؤمن بأن الفن يفقد روحه متى أُدرج قسرا ضمن تيار فني بعينه. بالنسبة إليه، الفن ليس شكلا أو تقنية فحسب، بل هو موقف والتزام، وترجمة بصرية لمبادئ وأفكار يحملها الفنان ويجسّدها في أعماله. ويؤكد في هذا السياق أن "الفن، في جوهره، تعبير صادق عن رؤية وقيم، قبل أن يكون منتوجا جماليا".
اختار هذا الفنان مسارا إبداعيا مغايرا للسائد، إذ آثر الاشتغال بمواد لا تحظى عادة باهتمام كبير في الحقل التشكيلي. بين يديه، تتحوّل مجلات الفضاءات التجارية الكبرى إلى لوحات، و"الكراتين" المستعملة إلى منحوتات، والجرائد والورق المستهلك إلى حُليّ نسائية، لتصبح كل مادة خام عنصرا جماليا قابلا للاستعمال، محمّلا بدلالات تتجاوز شكله الظاهري.
وعن هذه الملكة الإبداعية، أوضح رضا غراب في لقاء مع وكالة تونس أفريقيا للأنباء أنه كثيرا ما يُنجز أعمالا دون أن يكون لديه تصور مسبق عن مآلها، إذ يقوده الحدس، إلى جانب الموهبة والتمكّن من آليات التصميم، إلى نتائج تفاجئه هو نفسه بجماليتها. ويؤمن بأن الإنسان قادر على الإبداع بلا حدود حين يعمل بشغف ويُقبل على ما يحب.
في لوحاته، يعتمد الفنان تقنية القصّ واللصق، موظّفا مادتين أساسيتين: سراويل "الجينز" القديمة من علامات عالمية مختلفة، ومجلات تجارية وإشهارية قديمة. ومن خلال هذا الاختيار، يسعى إلى تجسيد الجسد الإنساني، ولاسيما الحركة، باعتبارها لغة قادرة على التعبير عن الحالات النفسية، والقلق، والتوترات الداخلية التي يعيشها الإنسان. ويحرص على إبراز هذه المشاعر عبر الملامح الدقيقة وحركة الأيدي، باعتبارها مرآة للداخل الإنساني.
ويرى رضا غراب أن الجسد الإنساني يظل الموضوع الأقدر على إيصال المعاني المختلفة. حتى في إنجازه للبورتريهات، يرفض الجمود ويبحث دائما عن الحركة والتعبير، مؤكدا "أحاول أن أُبرز الحالات النفسية القصوى من خلال الحركة"، مضيفا في حديثه لوكالة "وات" "أنا متشبث بالاحتجاج على ما تتعرض له الطبيعة من انتهاكات، فالفن بالنسبة إليّ شكل من أشكال المقاومة".
ويؤمن هذا الفنان بأن الفن لا يجب أن يبقى حبيس النخب، بل ينبغي أن يكون في متناول الجميع، ممارسة يومية تمكّن الأفراد من التعبير عن ذواتهم وخباياهم، وإيصال المعنى بعمق يفوق أحيانا قوة الكلمات أو الصور الجاهزة. ومن هذا المنطلق، يدعو الفنانين إلى تشجيع الناس على ممارسة الفن دون الارتهان إلى أدوات باهظة الثمن، مؤكدا إمكانية الاعتماد على المواد المتوفرة في المحيط المباشر، مع احترام الخصوصيات الثقافية لكل جهة.
وفي حديثه عن توجهه الفني، يقول رضا غراب "أنتمي إلى تيار يحتج على المتفق عليه في المجال الفني. أرفض تسليع الفن، وأطبق ذلك عمليا في أعمالي، إذ لا تخضع المواد التي أستعملها لأي معايير إنتاج فني نمطية"، معتبرا أن المادة الخام ليست محايدة، بل تحمل في ذاتها رسائل، فالعمل الفني، في نظره، لا ينفصل عن المواد التي صُنع منها، موضحا "حين أشتغل على مجلات الفضاءات التجارية بما تحمله من إشهار لعلامات عالمية، فإنني أحتج على مجتمع الاستهلاك، وأبيّن أن بالإمكان إنجاز عمل فني ذي قيمة جمالية والتزام اجتماعي في آن واحد".
وعن المفارقة بين هذا الاحتجاج وعمله السابق لسنوات طويلة في مجال الإشهار، يوضح رضا غراب أن خياره الحالي يُمثّل نوعا من "التكفير" عن مرحلة ساهمت، بشكل أو بآخر، في تعزيز ثقافة الاستهلاك، مؤكدا أن العلامة التجارية لا تعكس بالضرورة جودة المحتوى، معتبرا أن منتجات الحرفيين المحليين قد تفوق، في كثير من الأحيان، جودة "الماركات" العالمية.
وفي سياق هذا البحث عن "الغفران"، يعمد الفنان في أعماله إلى قصّ أسماء العلامات التجارية أو قلبها أو تفكيكها، في فعل رمزي احتجاجي ضد سطوة هذه العلامات. وقد لازمته هذه الروح النقدية منذ صغره، إذ كان مولعا بالأنشطة اليدوية وجمع الأشياء القديمة لإعادة توظيفها، قبل أن تتعزز تجربته بتكوينه الهندسي في المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس، ومسيرته المهنية المتنوعة، خاصة في مجال الإشهار لأكثر من خمسة وعشرين عاما.
كما أسهم شغفه بالترحال داخل تونس وخارجها في إثراء تجربته الفنية، إذ قادته أسفاره إلى التعرف على الخصوصيات الثقافية للمناطق التي زارها، واستلهام موادها المحلية، مثل استعمال "السعف" في الجهات المعروفة بإنتاج التمور، ليجعل من كل بيئة مصدرا للإلهام.
وفي مرحلة مفصلية من مساره، قرر رضا غراب وضع حد لإيقاع مهني لم يعد يتيح له التفرغ لفنه، فاختار تأسيس مشروع اقتصادي يُجسّد روحه الإبداعية، قائم على ثلاث ركائز أساسية: الإيكولوجيا، والفن، والتصميم. وكان لهذا التحول جذور إنسانية عائلية، انطلقت من حادثة بسيطة مع ابن شقيقته، الذي شارك في نشاط مدرسي لبيع منتوجات يدوية. ومن تلك التجربة، وُلدت فكرة إنتاج حُليّ نسائية من الورق، تطورت لاحقا إلى مشروع متكامل، نجح في اختراق بعض الأسواق الأوروبية.
رضا غراب، العصامي التكوين في المجال الفني، يؤمن بأهمية نقل المعرفة مقرونة بالشغف. ولهذا يساهم في تنظيم ورشات بيداغوجية بالمدارس والجمعيات والجامعات، بهدف تكريس فكرة لامعيارية الفن، والتأكيد على أن كل إنسان قادر على التعبير فنيا انطلاقا من تجربته الخاصة. كما تُعدّ هذه الورشات مناسبة للتوعية البيئية، عبر التشجيع على استعمال مواد صديقة للطبيعة.
ويرفض هذا الفنان ربط الفن بالشهادات الأكاديمية أو بالمنظومات المقيدة للإبداع، كما يرفض عرض أعماله في أروقة الفن التشكيلي التقليدية، إيمانا منه بضرورة كسر الطابع النخبوي للفن. لذلك يفضل عرض إبداعاته في معارض الحرف والصناعات التقليدية والفضاءات المفتوحة للجمهور الواسع، مثل معرض Upcycl’Art et Design الذي انتظم في دورتيه لسنتي 2024 و2025، ويجمع الفنانين المُختصين في الرسكلة.
وكما يحتج رضا غراب على مجتمع الاستهلاك من خلال توظيف العلامات التجارية في لوحاته، فإنه يعبّر عن موقفه أيضا عبر توقيعه الفني، معتمدا اللون الأحمر على أقمشة "الجينز"، بما يحمله من رمزية الثورة والاحتجاج، فضلا عن كتابة اسمه بحروف مستلهمة من العلامات التجارية ذاتها.
وفي صناعة الحلي الورقية، لا يغيب البعد الاحتجاجي، إذ يستعمل الجرائد تعبيرا عن موقفه النقدي من الصحافة ومن المنظومة الإعلامية عموما، في محاولة لإعادة مساءلة المحتوى ودوره.
متأثرا بالثقافات الغربية وبأعمال فنانين عالميين مثل فان غوغ، يقوم رضا غراب بمحاكاة بعض هذه الأعمال، ليعيد إنتاجها بروح جديدة نابعة من تجربته الشخصية، الممتدة من مسقط رأسه غمراسن بالجنوب التونسي، إلى العاصمة تونس، مرورا بالبلدان التي زارها، في مسار فني يؤكد تفرد تجربة لا تشبه إلا صاحبها.