الدراما الأمازيغية في المغرب تكسر التابوهات وتقتحم رمضان

مسلسلات تكشف قضايا المرأة والهوية والصراع الاجتماعي والتراث والحب والتمرد وتعيد صياغة الواقع برؤية إنسانية جريئة.

الرباط ـ عرفت الدراما الأمازيغية تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة داخل المشهد السمعي البصري المغربي، إذ لم تعد تقتصر على الحكايات التراثية أو الأعمال الكوميدية الخفيفة، بل باتت تقتحم بجرأة قضايا اجتماعية وإنسانية معاصرة، وتنافس بقوة ضمن البرمجة الرمضانية، مستقطبة جمهورًا متزايدًا داخل المغرب وخارجه.

وفي هذا السياق، أنهى الطاقم الفني، بقيادة المخرج المغربي محمد بوزكو، مؤخرًا تصوير أحداث المسلسل الأمازيغي "زهور في الظل"، المكوّن من ثلاثين حلقة، والمقرر عرضه خلال شهر رمضان المقبل على القناة الأمازيغية.

ويُعد هذا العمل خطوة جديدة في مسار الدراما الأمازيغية الجادة، إذ يعالج موضوعًا اجتماعيًا حساسًا يتمثل في اضطهاد المرأة وسلب حقوقها، واستغلالها داخل الفضاء الجامعي، في إطار القضية المثيرة للجدل المعروفة بـ"الجنس مقابل العلامات"، ضمن مجتمع تحكمه بنية ذكورية صارمة.

ويشارك في بطولة المسلسل مجموعة من الممثلين الذين يروون، عبر حلقات منفصلة ومتشابكة في آن واحد، قصص نساء يعشن معاناة مشتركة.

ورغم اختلاف خلفياتهن ومساراتهن الحياتية، فإن مصائرهن تتقاطع، وتجد كل واحدة في الأخرى مرآة لقوتها الداخلية، لتتحول المعاناة إلى طاقة جماعية تفضي إلى التمرد وبناء جسور الخلاص.

وأكد المخرج محمد بوزكو في تصريح لموقع "هسبريس" المحلي، أن انطلاقه في هذا العمل جاء من قناعة راسخة بأن التلفزيون ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتوعية وبناء الوعي الجماعي. وقال إن الدراما مطالبة بطرح مشاكل المجتمع بجرأة ومسؤولية، مع احترام القواعد الفنية والتقنية، والأهم احترام ذكاء المشاهد، الذي بات اليوم منفتحًا على إنتاجات عالمية ترفع سقف التوقعات.

وأضاف أن المسلسل يطرح قضايا ثقافية وقانونية وحقوقية وإنسانية، ضمن قالب درامي مشوق يعتمد على عنصر المفاجأة والتشويق، دون السقوط في المباشرة أو الوعظ.

ويواصل محمد بوزكو، الذي راكم تجربة غنية في الكتابة والإخراج باللغة الأمازيغية، نهجه الفني القائم على المزج بين الواقعية والرمزية، واستلهام قوة الحكاية من عمق الشخصيات وصدق القضايا المطروحة. ويُكرّس في هذا العمل اهتمامه بالمرأة بوصفها عنصرًا مركزيًا في البناء الدرامي، وصوتًا يعبر عن الصبر والقوة والتحدي داخل المجتمع الأمازيغي.

ومن جهتها، عبّرت الممثلة شيماء بلمهدي عن اعتزازها بالمشاركة في المسلسل، مؤكدة أن تجسيدها لشخصية "سارة" شكّل تجربة مختلفة وتحديًا فنيًا حقيقيًا. ووصفت الشخصية بأنها ليست مجرد دور تمثيلي، بل رسالة إنسانية عميقة، تتميز بحبكة قوية ونهاية ذات دلالة خاصة.

ولا يقف تطور الدراما الأمازيغية عند هذا العمل، إذ تستعد القناة الأمازيغية لعرض مسلسل بعنوان "فصول الألم"، من إخراج غزلان أسيف، ويتكون بدوره من ثلاثين حلقة. ويراهن هذا العمل على تقديم تجربة درامية مختلفة من حيث قوة النص، وجودة الإخراج، ومستوى الإنتاج، مع جرأة واضحة في طرح القضايا الاجتماعية.

وأوضحت المخرجة غزلان أسيف أن المسلسل ثمرة تحضيرات دامت أكثر من ثمانية أشهر، بإشراف السيناريست لحسن سرحان، مؤكدة أن الهدف الأساسي هو تقديم الدراما الأمازيغية في حلة جديدة تواكب تطلعات الجمهور وتنسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع.

قصص تعكس قضايا متنوعة
قصص تعكس قضايا متنوعة

وتؤدي الممثلة الزاهية الزاهيري دور البطولة، مجسدة شخصية "كريمة"، التي وصفتها بالمركبة والمختلفة عن أدوارها السابقة، فيما تلعب الممثلة الصاعدة وئام أكنوكي دور الأخت الصغرى المتمردة، المنغمسة في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، في شخصية تتكشف أبعادها تدريجيًا مع توالي الحلقات.

ويضم المسلسل نخبة من الأسماء البارزة في الساحة الفنية الأمازيغية، إلى جانب وجوه شابة، ما يعكس توجهًا عامًا نحو ضخ دماء جديدة في الدراما الأمازيغية ومنحها نفسًا متجددًا.

وفي رمضان الماضي، عرضت القناة الأمازيغية مسلسل "إليس ن ووشن" من إخراج فاطمة بوبكدي، والذي شكّل إضافة نوعية للمشهد الدرامي الأمازيغي.

وتميّز العمل بأجوائه التاريخية التي تمزج بين الدراما والكوميديا، وبأسلوب سردي مشوق، فضلًا عن اختيار مواقع تصوير طبيعية وأزياء مستوحاة من الثقافة الأمازيغية، ما أضفى عليه طابعًا جماليًا وتراثيًا خاصًا.

وتدور قصة المسلسل حول لغز اختفاء شخصية العالم "أوشّن"، وما يرتبط بذلك من أسرار غامضة ومفاتيح تقود إلى "القلعة المنسية"، في حبكة تجمع بين الخيال والتاريخ، وتفتح المجال أمام قراءة رمزية لقضايا المعرفة والسلطة والبحث عن الحقيقة.

وخلال السنوات الماضية، دخلت الدراما الأمازيغية المنافسة الرمضانية بعدة أعمال لافتة، من بينها "إيلّي"، و"أعطار"، و"بويذونان"، و"بنت الذيب"، و"إليس ن ووشن". وقد عالج مسلسل "إيلّي" قضايا اجتماعية وإنسانية مستوحاة من الواقع، بينما ركز "أعطار" على شخصية بائع متجول يعرف أسرار الناس بحكم تنقله بين الأزقة والأسواق.

أما مسلسل "بويذونان" الناطق بالأمازيغية الريفية، فقد تميز بجرأته في التطرق إلى قضايا حساسة، مثل سيطرة العصابات المنظمة وتهريب البشر والمخدرات، خاصة داخل الوسط المدرسي، وهو ما شكّل سابقة في الدراما الأمازيغية.

كما شكّل مسلسل "بابا علي" بأجزائه الثلاثة ظاهرة لافتة، محققًا نسب مشاهدة مرتفعة، خصوصًا عبر منصات رقمية مثل يوتيوب، بفضل توفير الترجمة، ما أتاح لغير الناطقين بالأمازيغية متابعة العمل والتعرف على جزء من الثقافة الأمازيغية.

وبهذا الزخم المتواصل، تؤكد الدراما الأمازيغية، بتنوعها اللغوي وجرأتها الموضوعية، أنها لم تعد في الهامش، بل أضحت رافدًا أساسيًا في الإنتاج التلفزيوني المغربي، وصوتًا فنيًا يعكس قضايا المجتمع بعمق وصدق، ويمنح الهوية الأمازيغية حضورًا متجددًا في المشهد الثقافي الوطني.