التملّق وصولًا إلى التسلق في مهنة الإعلام
لم تكن الديمقراطية، في جوهرها، يومًا مشكلة. المشكلة تبدأ حين تتحول الحرية إلى فوضى، وحين يُساء استخدام الانفتاح حتى تختلط المعايير، فتتشابه الصلعاء بأمّ الشعر، ويضيع الفارق بين من يحمل المهنة ومن يتسلّقها. هذا ما حدث، إلى حدّ بعيد، في المشهد الإعلامي العراقي خلال السنوات الماضية.
أتاحت الديمقراطية للجميع طرق أبواب الإعلام، لا بوصفه رسالة ومسؤولية، بل باعتباره سلّمًا سريعًا للظهور والارتزاق. ومع غياب الضوابط المهنية، تكاثر عدد من يحملون لقب "إعلامي" و"إعلامية"، حتى صار اللقب أسهل من بطاقة تعريف، وصارت الشاشات تعجّ بوجوه لا تمتلك من الإعلام سوى الميكروفون.
تضخّم عدد الفضائيات في العراق بصورة غير مسبوقة، حتى بات لكل حزب وربما لكل تيار داخل الحزب الواحد، أكثر من قناة. لم يكن الهدف إثراء الرأي العام أو تنويع الخطاب، بل تشتيته وإغراقه بسيل من الرسائل المتناقضة، حيث تتحول الحقيقة إلى وجهة نظر، والخبر إلى أداة تعبئة، والمعلومة إلى سلعة سياسية.
في هذا المناخ، وُلد "الإعلامي الوصولي"، ذاك الذي لا يرى في المهنة إلا وسيلة للتقرّب من السلطة، أو بوابة لعقود الإعلان، أو جسرًا للعبور نحو النفوذ. إعلامي لا يسأل، لا يحقق، لا يزعج، بل يلمّع ويبرر ويتقن فن التملّق، حتى يصبح جزءًا أصيلًا من منظومة فساد متقع، لا مجرد شاهد عليها.
ولم يعد الخلل مقتصرًا على الأفراد، بل تمدّد ليصبح بنيويًا. فالمؤسسة الإعلامية نفسها، في كثير من الحالات، لم تعد تبحث عن الكفاءة بقدر ما تبحث عن الطاعة. لم تعد تسأل عمّا يعرفه الصحفي، بل عمّن يعرفه. وهكذا، انقلبت معايير الاختيار من الخبرة والقدرة على التحليل إلى القرب من الحزب أو الجهة المموِّلة. الإعلام هنا لم يُخترق من الخارج، بل استسلم من الداخل.
ومع هذا الاستسلام، تآكلت واحدة من أهم وظائف الإعلام: المساءلة. فالإعلامي الذي يصعد بالتملّق لا يستطيع أن يسأل، والذي يصل بالتسلق لا يجرؤ على النقد، لأن سلمه مكسور عند أول خلاف. لذلك، تحولت البرامج الحوارية إلى منصات مجاملة، والمؤتمرات الصحفية إلى مشاهد مصوّرة بلا أسئلة حقيقية، والنشرات الإخبارية إلى بيانات مقنّعة.
ولا يمكن فصل هذا الانحدار عن الدور الملتبس لنقابات الصحفيين التي تحوّلت، في كثير من الأحيان، من حارس للمهنة إلى بوابة مفتوحة لمن هبّ ودب. تُمنح هويات الصحافة بلا تدقيق مهني حقيقي، فيختلط الصحفي بالناشط، والإعلامي بالمروّج، وتضيع الحدود التي تحمي المهنة من التسيّب.
في هذا المشهد المشوّه، ضاعت الأجيال الجديدة. شاب أو شابة يدخلان عالم الإعلام، فيجدان أن الطريق الأقصر ليس القراءة ولا التدريب ولا الالتزام، بل الولاء والاصطفاف. تُكافأ الرداءة لأنها “مطيعة”، ويُهمَّش الجاد لأنه "مزعج". وهكذا، يُقتل الطموح المهني مبكرًا، ويُعاد إنتاج الفشل جيلاً بعد جيل.
أما الجمهور، فهو الخاسر الأكبر. جمهور أُرهق من الضجيج، وتشوّش من كثرة الروايات، وفقد ثقته بالإعلام حتى بات يشكّ في كل خبر، حتى الصادق منه. وحين يفقد الإعلام ثقة الناس، يفقد جوهر وجوده. فلا سلطة رابعة بلا ثقة، ولا تأثير بلا مصداقية.