هل هناك حرب أميركية إسرائيلية على إيران؟
تمر المنطقة بحالة من التوتر الظاهر، وسط قلق من الانزلاق نحو حرب جديدة، في وقت لم تنجح فيه بعد باستعادة توازنها عقب أكثر من عامين من الحروب الطاحنة متعددة الجبهات. ركزت التصريحات الرسمية الإسرائيلية، خلال الأيام القليلة الماضية، على ترجيح عودة المواجهة مع إيران، مبررة ذلك بعدم السماح لطهران بمواصلة بناء ترسانتها من الصواريخ البالستية. وفي هذا السياق، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 29 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بهدف حثه على شن هذه الحرب. وارتفع سقف المطالب الأميركية الإسرائيلية من طهران، بعد الحرب الأخيرة، لتشمل تفكيك منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية وإنهاء كافة أشكال الدعم للفصائل الموالية لها في المنطقة، لا سيما حزب الله في لبنان.
يأتي ذلك في الوقت الذي عقد فيه البيت الأبيض اجتماعاً لبحث خيارات هجومية أخرى ضد إيران، كزيادة الضغط الاقتصادي على الحكومة، وشن هجمات إلكترونية، بالإضافة إلى تأجيج الاحتجاجات بهدف إسقاط النظام. وأشار الرئيس دونالد ترامب، في إطار هذا التصعيد، إلى استعداده لتقديم المساعدة للمتظاهرين المناهضين للحكومة في إيران، معتبراً أن وقت المفاوضات مع طهران قد انتهى.
من جهتها، تتهم إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة استغلال الاحتجاجات لتأجيج التصعيد، معتبرة أن ذلك يعد امتداداً لـ "حرب الأيام الـ 12"، ومؤكدة جاهزيتها لردع أي هجوم يمس سيادة البلاد واستقرارها. وتفضل الولايات المتحدة تغيير النظام السياسي الإيراني بطرق تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، الذي تضعه كخيار أخير؛ إذ يأمل المشككون في جدوى الضربة العسكرية المباشرة في تجنب الخلافات العلنية التي سبقت قصف الولايات المتحدة للمواقع النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي، وهو القصف الذي فاقم الانقسام في صفوف مؤيدي ترامب حول جدوى التدخل في صراعات الشرق الأوسط ومدى مواءمة ذلك مع شعار "أمريكا أولاً".
إن هذا يفسر مساعي واشنطن لتقويض النظام الإيراني دون التورط في حرب عسكرية شاملة؛ حيث فرض ترامب يوم الاثنين الماضي رسومًا جمركية بنسبة 25 بالمئة على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، كوسيلة للالتفاف على خيار الحرب الشاملة.
يأتي ذلك في ظل توجه أكثر وعياً لدى دول المنطقة بخطورة السياسة الأميركية تجاه إيران، سواء عبر العمل العسكري أو محاولات إسقاط النظام من خلال الاحتجاجات. وتسعى دول الجوار في الخليج العربي لدعم خيار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، خشية أن يؤدي انهيار الحكومة الإيرانية إلى اندلاع حرب أهلية، أو ظهور دولة فاشلة، أو تعزيز قوة المتشددين، خاصة في ظل ما تمتلكه الدولة الإيرانية من قدرات عسكرية، مما قد يعرض أمن المنطقة برمته للخطر؛ وهو ما أثبتته تجارب سابقة لم تراعِ فيها المصالح الأميركية أو الإسرائيلية أمن دول المنطقة وشعوبها.
وتبقى إسرائيل المستفيد الوحيد من هذه الحرب والداعم الأكبر لها؛ إذ لم يعد الضغط الإسرائيلي على واشنطن سراً، بل بات خيار إسقاط النظام مطروحاً بقوة لدى الحكومة الإسرائيلية كبديل يهدف ليس فقط لتقويض القدرة النووية، بل لإضعاف الدولة الإيرانية وقدرتها العسكرية عموماً، ضمن استراتيجية معلنة تسعى للهيمنة على الشرق الأوسط.
بالمقابل، لا تبدو الاحتجاجات في الشارع الإيراني اليوم قادرة على إسقاط النظام، على الأقل في المدى المنظور، وهو الأمر الذي لا يبعد شبح الحرب العسكرية وفق الرؤية الإسرائيلية الأميركية. وبدأت الاحتجاجات الحالية من طهران في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، امتعاضاً من انهيار الريال وتفاقم الأزمة الاقتصادية، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى. وتعاني إيران من تخلخل اقتصادي واضح، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة وتصاعد العقوبات الأميركية الموجهة ضدها منذ سنوات. ويعتمد اقتصاد البلاد على النفط والغاز بنسبة 80 بالمئة من صادراتها و30 بالمئة من إيراداتها الوطنية، وهو القطاع الأكثر استهدافاً بالعقوبات؛ حيث انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي من 5.3 في عام 2023 إلى 0.6 بالمئة في عام 2025.
ولا تشير هذه الاحتجاجات حتى الآن إلى إمكانية النجاح في قلب نظام الحكم؛ وثمة عوامل عديدة تدعم هذه المقاربة، أبرزها غياب شخصية عامة موحدة للمتظاهرين، وفقدان الأيديولوجية والمنهجية المشتركة التي جمعت المحتجين في تجارب سابقة كالثورة الإسلامية عام 1979. كما يفتقر المحتجون لرؤية واضحة لنظام ما بعد الدولة الإسلامية، فضلاً عن أن تيارات المعارضة المدعومة من واشنطن، أو ذات التوجهات الماركسية، أو حتى وريث عهد الشاه، لا تحظى بدعم شعبي واسع، بل تواجه اتهامات بالخيانة.
ولا تخرج الاحتجاجات الحالية عن كونها امتداداً لبنية احتجاجية متكررة شهدتها إيران في أعوام متفرقة (1981، 1992، 1999، 2009، 2017، 2019، 2022، وأخيراً 2026). وقد أظهرت هذه الحالات نمو الحالة الاحتجاجية في المجتمع الإيراني، لدرجة اتخاذ بعضها طابعاً عنيفاً في بعض المناطق. ويظل العنصر الأساسي المحرك لهذه الاحتجاجات هو التضخم وتراجع الوضع المعيشي بسبب العقوبات الغربية. ورغم أن المجتمع الإيراني في بنيته مجتمع احتجاجي والاحتجاج مكفول دستورياً في المادة 27، إلا أن الحكومة تعاملت معها بنجاح عبر السنوات، وإن غلبت عليها استراتيجية "الإدارة" لا "الحل"، والصبغة الأمنية في التعامل.
وتأتي دعوات ترامب للمحتجين بالسيطرة على مؤسسات الدولة، ووعوده بأن "المساعدة قادمة"، بالتزامن مع تهديده للحكومة الإيرانية في السادس من يناير/كانون الثاني الجاري بأن الولايات المتحدة "ستبدأ بإطلاق النار أيضاً" في حال استمر قتل المتظاهرين. هذه المواقف تؤكد للإيرانيين أن الهدف الأميركي هو بث الفتنة أو شن حرب تدميرية، وهو أمر تقتنع الغالبية العظمى منهم بأنه لا يصب في مصلحتهم. كما أن التهديد الأميركي الإسرائيلي بشن حرب، خصوصاً بعد ضرب القدرات النووية قبل أشهر، يكشف للعامة النوايا الحقيقية ضد إيران كقوة إقليمية. ورغم سعي القيادة الإيرانية هذا الأسبوع لاستئناف المفاوضات بشأن الاتفاق النووي، أعلن ترامب يوم الثلاثاء الماضي رفضه لإجراء أي محادثات.
ومع اعتبار قدرات الحكومة الإيرانية التي لا تزال متماسكة ومتحكمة بمفاصل الدولة (الأمن، القضاء، الإعلام الرسمي، والاقتصاد المؤسساتي)، ناهيك عن السيطرة على الإنترنت، فمن المرجح صمود النظام ما لم تحدث انشقاقات داخل النخب السياسية المؤثرة، وهو أمر مستبعد حالياً.
ويضاف إلى ذلك، أن التدخل الأميركي في فنزويلا والرغبة في السيطرة على نفطها، يدق ناقوس الخطر لدى الإيرانيين الرافضين لسلب ثروات بلادهم. كما أن النظر إلى مآسي الجار العراقي جراء التدخل الأميركي لقلب نظام الحكم، وما تبعه من عنف طائفي واضطراب ممتد لأكثر من عقدين، يعزز هذا الموقف. وتتجلى خطورة هذا العامل في مواقف دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، التي تحذر من خطر انزلاق المنطقة نحو الحرب والفوضى التي تهدد استقرارها ومشاريعها.
ختاماً، ليس من المرجح أن تسقط الاحتجاجات النظام، وتظل إمكانية الذهاب للحرب واردة في ظل الإصرار الإسرائيلي؛ حيث اعتبر مسؤول عسكري إسرائيلي أن الهجوم "لا مفر منه" دون اتفاق يقيد الصواريخ البالستية. وتشير التحذيرات المتصاعدة لإجلاء الأجانب، وسحب الطائرات والسفن وأفراد العمليات الخاصة من القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، إلى قلق البنتاغون من رد إيراني محتمل. وفي ظل التهديدات الإيرانية باستهداف إسرائيل والقواعد الأميركية إذا تعرضت لضربة، ترى جهات استخبارية أن حالة التصعيد قد تؤدي لحرب نتيجة سوء تقدير أو خطأ في الحسابات، وإن لم تكن النوايا تتجه للهجوم العسكري المباشر، لكن لا شيء يجزم بحدوثها حتى الآن في ظل وجود أطراف أخرى لا ترى مصلحة في اندلاع مواجهة شاملة.