سيد ترامب: غرينلاند ليست للبيع

تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة أمرٌ شائن، إذ قد يُزعزع استقرار حلف الناتو وقد يكون له عواقب وخيمة على مكانة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي.

يبدو أن سخافة ترامب لا حدود لها. فبعد غزوه لفنزويلا، شعر ترامب بالجرأة الكافية ليبتلع دولة أخرى متى شاء. تتجه أنظاره الآن نحو غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي تابعة للدنمارك بحجة أنها ضرورية للأمن القومي الأميركي. المفارقة أن الدنمارك عضو في حلف الناتو الذي يضم الولايات المتحدة، القوة الرائدة فيه، ومهمته هي الأمن الجماعي لأوروبا، بما فيها غرينلاند.

إن مجرد تفكير ترامب في مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو هو ضرب من الجنون. في الواقع، إذا هددت أي قوة خارجية غرينلاند، فإن الولايات المتحدة ملزمة بالدفاع عنها، فلماذا إذن يبدو له أن ضم غرينلاند ضروري لأسباب أمنية؟ هذه مجرد كذبة أخرى من أكاذيب ترامب الفاضحة.

لا يكترث ترامب لحقيقة أن هذا قد يؤدي إلى انهيار حلف الناتو برمته بسبب تهوره. كل ما يريده هو الاستيلاء على ثروات غرينلاند المعدنية الهائلة. ومن وجهة نظر الدنماركيين، تُعدّ علاقتهم بالولايات المتحدة أهم علاقة في حياتهم. إنهم يشعرون بالخيانة جراء تصريحات إدارة ترامب، والآن جراء أفعالها المُزمعة. الشعب الدنماركي في غاية الحزن، والآن يتصاعد غضبه أيضا ً.

إن تهديد الولايات المتحدة للدنمارك والاستيلاء على أراضيها، لا سيما بالقوة، أمرٌ غير مقبول بتاتًا. لا بدّ من التساؤل: ما الذي حلّ بالولايات المتحدة؟ ستكون لهذا عواقب استراتيجية وخيمة ستُلقي بظلالها السلبية على أمريكا بصورة غير عادية لعقود قادمة.

يفخر الشعب الدنماركي بوقوفه جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة في حرب أفغانستان، حيث فقدوا عددًا من الأرواح، نسبةً إلى عدد السكان، خلال تلك الحرب يفوق أي دولة أخرى في العالم، باستثناء الولايات المتحدة. لم يطلبوا أي معاملة تفضيلية؛ كل ما يريدونه هو الحقيقة والشفافية.

ما يريده ترامب لن يتمكن من تحقيقه عبر المفاوضات أو شراء الأراضي، فهي ليست للبيع – لا الآن ولا في أي وقت. وللأسف، يتم تجاهل الدنماركيين، والأهم من ذلك، سكان غرينلاند أنفسهم، بشكل كامل، وهو أمرٌ يُحزنهم بشدة كأصدقاء وحليف للولايات المتحدة تربطهم بها علاقة طويلة الأمد قائمة على المنفعة المتبادلة والثقة.

تجدر الإشارة إلى أن غرينلاند ضرورية للغاية لأمن حلف الناتو، لأن روسيا قادرة بالفعل على استخدام القطب الشمالي لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها. لذا، ينبغي على الولايات المتحدة الحفاظ على وجودها العسكري في غرينلاند وتوسيعه، ولا يوجد حدٌ لعدد القوات التي يمكنها نشرها هناك.

وإذا كانت غرينلاند حيوية لأمن الولايات المتحدة، فيجب أن يكون هناك المزيد من القوات الأميركية هناك. لكن ترامب قرر عدم القيام بذلك، على الرغم من أن الدنمارك ستكون سعيدة بوجودهم. إنه لا يريد أن يُشغل نفسه بالجانب القانوني. بدلاً من ذلك، وبوقاحةٍ فظةٍ لا يخجل منها، صرّح بأنه إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من التوصل إلى اتفاق سهل بشأن غرينلاند، "فسنفعل ذلك بالطريقة الصعبة".

يا له من أمرٍ مؤسفٍ لأميركا أن يكون لديها رئيس لا يهتم بأي شيء سوى نفسه، ويستعرض قوته في كل مناسبة. غرينلاند دولة صغيرة ذات تعداد سكاني لا يتجاوز 57 ألف نسمة، لكن شعبها يتمتع بثقافة عريقة وتاريخ مجيد.

إن تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة أمرٌ شائن، إذ قد يُزعزع استقرار حلف الناتو وقد يكون له عواقب وخيمة على مكانة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي.