كثافة المسلسلات المصرية تضع البرمجة الرمضانية تحت الاختبار
القاهرة - يدخل موسم دراما رمضان 2026 وهو محمّل بدرجة غير مسبوقة من التنافس، في مشهد يكاد يكون الأوسع من حيث عدد الأعمال والنجوم المشاركين منذ سنوات. عشرات المسلسلات تتزاحم على الخريطة، تتنوع بين الأكشن والدراما الاجتماعية والشعبية والكوميديا والتشويق، وتجمع أسماء من الصف الأول إلى جانب وجوه شابة تراهن على تثبيت حضورها. هذا الزخم يطرح سؤالاً مركزياً يفرض نفسه بقوة: هل يخدم هذا الكمّ الهائل البرمجة الرمضانية ويثري خيارات المشاهد، أم يتحول إلى حالة تشبّع قد تضر ببعض الأعمال مهما بلغت جودتها؟
المشهد العام يكشف أن المنافسة لم تعد محصورة في صراع نسب المشاهدة فقط، بل باتت معركة على الانتباه والاستمرارية. المشاهد الرمضاني اليوم لا يلتزم بعمل واحد، ولا ينتظر الحلقات المتأخرة كي يحكم، بل يتخذ قراره سريعاً بناءً على الإيقاع والطرح والقدرة على خلق حالة منذ البداية. من هنا، تبدو عودة عدد من النجوم بعد فترات غياب طويلة أو قصيرة إحدى أبرز ملامح الموسم، لكنها عودة محفوفة بالمخاطر بقدر ما تحمل من وعود.
ياسمين عبدالعزيز تعود إلى المنافسة عبر مسلسل "وننسى اللي كان"، في تجربة درامية تراهن على المنطقة التي نجحت فيها خلال السنوات الأخيرة، أي الدراما الاجتماعية ذات الطابع الإنساني المشحون بالعاطفة والتشويق. العمل، الذي يجمعها بكريم فهمي ويكتبه عمرو محمود ياسين ويخرجه محمد الخبيري، لا يقدّم مجرد حكاية عن صراعات الماضي، بل يستثمر في صورة المرأة التي تحاول إعادة بناء ذاتها وسط تهديدات مستمرة. الإعلان المبكر عن المشروع وحجم الأسماء المشاركة فيه يعكسان حجم الرهان من قبل شبكة "إم بي سي"، التي تبدو حريصة على تثبيت حضورها عبر أعمال جماهيرية قادرة على الاستمرار وسط الزحام.
في المقابل، يعود محمد إمام إلى سباق رمضان من بوابة الأكشن عبر مسلسل "الكينج"، مؤكداً استمراره في الرهان على هذا النوع الذي بات علامة مميزة في مسيرته. العمل، بطابعه الحركي وقصته التي تنقل البطل إلى عالم العصابات الدولية، يعكس توجهاً واضحاً لدى بعض النجوم بالتمسك بالمنطقة الآمنة، مع محاولة تطويرها بصرياً ودرامياً، في مواجهة منافسين يزداد عددهم عاماً بعد عام.
أما عودة يوسف الشريف بعد غياب استمر نحو أربع سنوات، فتُعد من أبرز محطات الموسم وأكثرها إثارة للانتباه. مسلسل "فن الحرب" لا يكتفي بالعودة الشكلية، بل يقدّم نفسه كمشروع مدروس، سواء من حيث عدد الحلقات الأقصر أو الأجواء النفسية المعقدة التي عكستها البوسترات التشويقية. الشريف، المعروف بارتباط اسمه بأعمال الغموض والتشويق الذهني، يبدو هنا راهناً على استعادة الثقة من خلال محتوى مكثف لا يعتمد على الإطالة، في خطوة تعكس وعياً بتحولات السوق وميول الجمهور.
هذا الرهان على التكثيف يظهر أيضاً في اتجاه بعض النجوم إلى أعمال ذات 15 حلقة، مقابل استمرار آخرين في تقديم مسلسلات من 30 حلقة، ما يخلق تنوعاً في الشكل لكنه يضع البرمجة أمام تحديات حقيقية. فازدحام الأعمال الطويلة في توقيتات متقاربة قد يؤدي إلى إنهاك المشاهد، ويدفع القنوات إلى إعادة ترتيب مواقع المسلسلات أو تغيير مواعيد العرض وفقاً للتفاعل الجماهيري، وهو ما بات أمراً مطروحاً بقوة في المواسم الأخيرة.
في هذا الموسم أيضاً، يواصل بعض النجوم الاعتماد على العلامات التجارية الدرامية التي صنعت نجاحهم، كما هو حال حمادة هلال مع جزء جديد من "المداح"، وأحمد العوضي في الدراما الشعبية، ومصطفى شعبان في الأعمال ذات الطابع الاجتماعي التشويقي. في المقابل، يغامر آخرون بالخروج من مناطقهم المعتادة، سواء عبر أدوار مركبة أو أنماط درامية مختلفة، مثل عودة هند صبري إلى الدراما الشعبية التاريخية في "مناعة"، أو انتقال نيللي كريم مجدداً إلى الرومانسية، أو خوض كريم محمود عبدالعزيز تجربة تمزج الكوميديا بالدراما.
هذا التنوع يعكس بوضوح أن النجوم لم يعودوا يراهنون على الاسم وحده، بل على توليفة كاملة تضم النص، والإخراج، وشبكة العرض، وحتى التوقيت داخل الخريطة الرمضانية. ومع وجود قنوات كبرى ومنصات رقمية تتقاسم السباق، بات من الوارد تغيير مواقع بعض المسلسلات أو الدفع بها في توقيتات مختلفة بحسب ردود الفعل، في مشهد يؤكد أن البرمجة لم تعد قراراً ثابتاً بقدر ما أصبحت عملية ديناميكية تخضع للحسابات اليومية.
في المحصلة، يبدو موسم رمضان 2026 اختباراً حقيقياً لصناعة الدراما المصرية بكل أطرافها. الكمّ الكبير من الأعمال يمنح المشاهد حرية غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على صُنّاع الدراما مسؤولية مضاعفة، حيث لا مجال للأعمال المتوسطة أو المترددة. وحدها المسلسلات القادرة على خلق هوية واضحة، وحكاية تمس الواقع الإنساني، وتقديم نجومها بصورة صادقة ومتجددة، ستنجح في فرض نفسها وسط هذا الزحام، فيما سيبقى الجمهور الحكم النهائي في سباق لا يعترف إلا بمن ينجح في البقاء.