'مطبخ المدينة'.. حياة دمشق اليومية في مرآة درامية واقعية

في فضاء ضيّق تتقاطع فيه حياة الناس، أحلامهم الصغيرة، وصراعاتهم اليومية، تصبح كل وجبة حكاية تتناولها الشاشة بكل صدق وشفافية.

دمشق - تقدّم المخرجة رشا شربتجي في الموسم الرمضاني القادم مسلسل "مطبخ المدينة"، الذي سيأخذ المشاهدين إلى قلب الحياة اليومية في دمشق، عبر مطعم شعبي تديره عائلة سورية تعيش صراعات المجتمع المعاصر، وتعرض من خلاله قصص الناس وهمومهم اليومية بشكل مباشر وصادق.

المسلسل من كتابة كل من علي وجيه وسيف رضا حامد، ويعتمد على سرد متداخل يجمع بين الواقعية اليومية والتفاصيل الإنسانية الدقيقة، ليعكس طبيعة الحياة في دمشق، حيث تلتقي تحديات الحياة المعيشية مع الرغبة في الحفاظ على الكرامة والأمل في مستقبل أفضل رغم صعوبات الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

تقول المخرجة رشا شربتجي "كان هدفي من العمل أن يكون مرآة حقيقية للحياة اليومية في دمشق، وأن نقدم للجمهور قصصًا يلمسها، تعكس همومه وأحلامه. المطعم في العمل ليس مجرد مكان لتناول الطعام، بل مساحة إنسانية يجتمع فيها الناس، ويتبادلون مشاعرهم وقصصهم الصغيرة والكبيرة، ليصبح كل طبق وجبة مليئة بالذكريات والمعاني".

ويجمع المسلسل نخبة من نجوم الدراما السورية، من بينهم عباس النوري، فادي صبيح، مكسيم خليل، ولاء عزام، وميسون أبو أسعد، الذين يقدمون شخصيات متشابكة، تتراوح بين صاحب المطعم الذي يتحمل مسؤولية أسرته، والعاملين فيه، والزوار الذين يحمل كل منهم قصته الخاصة، سواء كانت مأساوية، كوميدية، أو درامية، لتتحول كل حلقة إلى نافذة تطل على وجوه الحياة في دمشق بكل تناقضاتها.

وفي حديثه حول دوره، يقول الممثل عباس النوري "أحببت شخصية صاحب المطعم لأنها تعكس روح الصمود والصبر في مجتمع يعيش تحت ضغوط مستمرة، مع رغبة دائمة في المحافظة على كرامة الناس من حوله. العمل يحاكي تفاصيل يومية بسيطة، لكنها تحمل رسائل كبيرة عن الإنسانية".

ويشير فادي صبيح إلى أن دوره كأحد العاملين في المطعم "يتيح لي استكشاف التفاعلات الاجتماعية اليومية بين الطبقات المختلفة، بين الأغنياء والفقراء، بين الزوار الدائمين والمارة، وكيف تؤثر الظروف الاقتصادية على العلاقات الإنسانية. نحن نحاول من خلال العمل نقل هذه المشاهد بطريقة صادقة ومؤثرة".

ويقول الكاتب علي وجيه "الفكرة بدأت من ملاحظة بسيطة: المطاعم الشعبية في دمشق ليست مجرد مكان لتناول الطعام، بل ملتقى إنساني يعكس حياة الناس اليومية، صراعاتهم، أفراحهم، وحتى خيباتهم. أردنا أن يظهر هذا الجانب في الدراما بطريقة تنقل المشاعر بشكل مباشر، بعيدًا عن المثالية الزائدة أو التهويل الدرامي".

ويضيف الكاتب سيف رضا حامد "هدفنا أن يكون المسلسل تجربة حقيقية للمشاهد السوري والعربي، أن يرى نفسه، أهل مدينته، وجيرانه. لا نريد أن نُدخل المشاهد في عوالم بعيدة عن الواقع، بل نعرض تفاصيل بسيطة لكنها محملة بالإنسانية، مثل جلسة حول الطاولة، نقاش عن مشاكل العمل، أو لحظة صمت بين الأبناء والأهل".

ويبرز المسلسل استخدامه للتفاصيل اليومية في تعزيز الواقعية الدرامية، من المطبخ والأطباق الشعبية إلى الزوار العابرين، والمشاهد الحياتية اليومية التي تتخللها المواقف الكوميدية أحيانًا، والدرامية أحيانًا أخرى. هذا المزيج يجعل العمل قريبًا من الجمهور، ويساعده على التفاعل العاطفي مع الشخصيات وفهم دوافعها.

تقول المخرجة رشا شربتجي "لقد حرصنا على تصوير المطعم بأبعاده الحقيقية، بحيث يبدو كمساحة عابرة للناس والقصص، ويعكس تنوع دمشق ومزيج سكانها، من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية. هذا المكان يصبح شخصية بحد ذاته داخل العمل."

ويعكس إنتاج مسلسل الحياة اليومية بصدق تحديًا كبيرًا، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية واللوجستية في سوريا. وتوضح شربتجي "كانت هناك حاجة لتفاصيل دقيقة في كل مشهد: إعداد الأطباق، ترتيب الطاولات، حركة الزوار، حتى أصوات المدينة في الخلفية. كل هذه التفاصيل أساسية لجعل المشاهد يشعر بأنه جزء من هذا العالم الواقعي".

ويشير المخرج إلى أن اختيار الممثلين جاء بعناية ليعكس التنوع السكاني والاجتماعي، مع الاعتماد على الوجوه المألوفة للجمهور، وأيضًا وجوه جديدة تضيف حيوية للعمل. وقد تم تصوير عدد من المشاهد في مطاعم شعبية حقيقية في دمشق، لتقديم تجربة بصرية وسمعية أصيلة، بما يعكس رائحة الحياة اليومية وروح المدينة.

وأظهرت استطلاعات اهتمامًا واسعًا من الجمهور العربي، خصوصًا من السوريين المقيمين في الداخل والخارج، الذين وجدوا في العمل انعكاسًا لصوتهم اليومي، وعلاقاتهم الاجتماعية، وطموحاتهم البسيطة، سواء في مطعم صغير أو في قلب شوارع دمشق.

تقول إحدى المتابعات "رأيت في المسلسل نفسي، أصدقائي، جيراني، الحياة التي نعيشها يوميًا، التفاصيل التي عادةً ما تمر دون أن يلاحظها أحد. هذا يجعل المسلسل أكثر تأثيرًا من أي قصة خيالية بعيدة عن الواقع".