الفضاء الرقمي آخر ساحات الاخوان الوجودية

جماعة الاخوان تراهن على الفضاء الرقمي كملعب أخير للصراع، فيما تراهن مصر على الوعي العام والإنجاز الملموس كحصن أساسي في مواجهة ما تصفه بـ"حرب الوعي".

القاهرة - تواصل جماعة الاخوان المسلمين شن حرب رقمية على الحكومة المصرية في حملة تضليل تأتي في سياق حالة ارتباك تعيشها الجماعة بعد تصنيف واشنطن عدداً من أفرعها تنظيمات إرهابية، ومع توجه دولي لتضييق الخناق على التنظيم العالمي بعد انكشاف واضح لمنهجيته القائمة على العنف والفوضى لتحقيق أهدافه، وهي عموماً صفة لم تعد تفارق جماعات الإسلام السياسي في العالم.

وتقود جماعة الإخوان المسلمين شبكة واسعة من المنصات الإعلامية والحسابات الافتراضية التي تعمل بصورة ممنهجة على إعادة صياغة الواقع، وبث رسائل تشكيك وإحباط تستهدف الدولة والمجتمع على حد سواء. ولا يمكن قراءة هذه الحملات بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه الجماعة اليوم، فهي لا تنبع من قوة أو قدرة على التأثير، بقدر ما تعكس حالة ارتباك عميقة وأزمة وجودية غير مسبوقة، تزامنت مع تراجع حضورها السياسي وانكشاف بنيتها التنظيمية، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية عليها، وصولاً إلى تصنيف أميركي حديث لعدد من أفرعها في مصر ولبنان والأردن كتنظيمات إرهابية.

وبات المشهد المصري خلال السنوات الأخيرة يشهد تصاعداً لافتاً لما يمكن تسميته بـ"المواجهة الرقمية غير المتكافئة"، إذ تدير الجماعة منظومة واسعة مما بات يعرف بالذباب الالكتروني وهي ليست حالة استثنائية بالنسبة لمصر، فقد عرفت تونس وغيرها من الدول العربية التي أصيبت فيها جماعات الإسلام السياسي بنكسات عميقة، الظاهرة ذاتها، لكن بالنسبة للقاهرة تبدو الحملة أكثر شراسة لاعتبارات تتعلق بأن الجماعة فيها كانت تعتبر النواة الصلبة للتنظيم العالمي للاخوان.

ولا يمكن فهم هذه الحملات بمعزل عن التحولات التي تمر بها الجماعة، فهي لا تعكس نفوذا متنامياً بقدر ما تعكس أزمة بنيوية عميقة وتراجعاً واضحاً في حضورها السياسي، بالتوازي مع انكشاف هياكلها التنظيمية وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية عليها.

في الداخل المصري، يصف برلمانيون وسياسيون هذه الحملات بأنها ليست مجرد نقد معارض، بل استراتيجية متكاملة لتشويه الوعي العام، فخطاب الجماعة لم يعد قائماً على طرح بدائل أو برامج سياسية، بل على تقويض الثقة في مؤسسات الدولة، والتقليل المنهجي من أي إنجاز تنموي أو اقتصادي أو اجتماعي.

ويشير هذا التحول من العمل السياسي إلى "حرب نفسية رقمية" تعكس حالة من الإفلاس السياسي وضيق الخيارات، اذ لم تعد الجماعة تملك هامشا واسعا من المناورة بعد حالة انكسار عامة وبعد فقدانها بعضا من معاقلها أو حواضنها، فتركيا التي طالما وفرت غطاء سياسيا وماليا لعدد من قادة الاخوان أدارت ظهرها لتلك القيادات وفق براغماتية سياسية وضمن مساعي ترميم علاقاتها الإقليمية التي تضررت بشدة وارتدت أزمة اقتصادية.

واللافت في حراك جماعة الاخواني إعلاميا وعبر جيوشها الالكترونية أنها انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مرحلة الطموح إلى الحكم إلى مرحلة الدفاع عن الذات ومحاولة البقاء الإعلامي بأي ثمن.

وأحد أبرز ملامح هذه الاستراتيجية هو التركيز المكثف على جيل الشباب، خصوصا ما يُعرف بجيل “Gen Z”، عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تتيح انتشاراً سريعاً ورسائل مختصرة ومؤثرة بصرياً. وتعتمد هذه المنصات على لغة عصرية، ومقاطع قصيرة، وسرديات مبسطة لكنها محمّلة برسائل تشكيك وإحباط، تستهدف خلق شعور عام بأن الدولة المصرية فشلت في تحقيق تطلعات الشباب، رغم ما يراه كثيرون من مبادرات حكومية في مجالات التعليم، والتمكين الاقتصادي، وريادة الأعمال، والمشروعات القومية.

وصحيح أن الوضع في مصر ليس ورديا ولا يخلو من مشاكل اجتماعية واقتصادية جزء منها يعود للاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، لكن الوضع عموما ليس بالسوء الذي تروج له جماعة الاخوان وتدفع لترسيخه واقعا، مراهنة على إعادة تحريك الشارع وهو أمر بات مكشوفا لعموم المصريين.

ويرى نواب ومسؤولون أن هذه الحملات تمثل "حرب وعي" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهي لا تكتفي بتقديم رواية بديلة، بل تعمل على تزييف الوقائع، وبث معلومات مجتزأة أو مضللة، وإعادة تفسير الأحداث بطريقة تخدم خطاباً عدائياً للدولة.

والأخطر في ذلك، أن هذه الرسائل تُصاغ بأسلوب جذاب تقنياً، لكنها تحمل مضامين سامة تهدف إلى زعزعة الانتماء، وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده.

وتعكس هذه الحرب الرقمية تحولاً جوهرياً في أسلوب عمل الجماعة، فبعد أن فقدت قدرتها على العمل العلني والتنظيمي داخل مصر، وانتفت فرصها في العودة إلى المشهد عبر صناديق الاقتراع أو الحراك الشعبي، لجأت إلى الفضاء الافتراضي كملاذ أخير للتأثير.

وهذا الانتقال من المواجهة السياسية المباشرة إلى التضليل الإلكتروني يعكس، حالة عجز بنيوي وفشل استراتيجي، أكثر مما يعكس قوة تنظيمية متجددة.

وإلى جانب ذلك، ترتبط هذه الحملات بحالة ارتباك تنظيمي عميقة تعيشها الجماعة منذ سنوات، فالتنظيم الدولي للإخوان بات يواجه انقسامات داخلية، وصراعات قيادة، وتراجعاً في مصادر التمويل، وتضييقاً متزايداً على شبكاته في عدد من الدول. ودفع هذا الواقع الجماعة إلى الاستثمار بشكل أكبر في الإعلام الدعائي بوصفه أداة رخيصة نسبياً، لكنها قادرة على خلق ضجيج وتأثير نفسي حتى في ظل ضعفها الميداني.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تتقاطع هذه الأزمة الداخلية مع اتجاه عام لتشديد الخناق على الجماعة، فقد أصبحت جماعة الإخوان في نظر عدة عواصم جزء من منظومة تهديد الأمن والاستقرار، لا مجرد حركة سياسية ذات مرجعية دينية.

وتوّج هذا المسار بقرار أميركي حديث بتصنيف عدد من أذرع الجماعة في مصر ولبنان والأردن كتنظيمات إرهابية، وهو تطور له دلالات استراتيجية عميقة، فمثل هذا التصنيف لا يقتصر على الجانب القانوني، بل ينعكس على التمويل، والتحركات، والشبكات الدولية، ويقيد قدرة الجماعة على العمل خارجياً.

ويُفسر هذا التضييق الدولي أيضا جانباً من تصاعد الحملات الرقمية، فمع تراجع المساحات التقليدية للتحرك السياسي والمالي، تجد الجماعة نفسها محاصرة أكثر فأكثر، فترد بمحاولة تعويض خسائرها عبر الحرب الإعلامية، علّها تستطيع الحفاظ على روايتها، أو على الأقل إبقاء نفسها حاضرة في المشهد العام.

وتعتمد الدولة المصرية في المقابل على استراتيجية مزدوجة في مواجهة هذه الحرب: فمن جهة، تسعى إلى كشف أساليب التضليل وفضح الروايات الزائفة عبر خطاب إعلامي مضاد أكثر وضوحاً وتماسكاً، ومن جهة أخرى، تراهن على "الإنجاز على الأرض" كأفضل رد على الدعاية السلبية، من خلال مشروعات البنية التحتية والتنمية الاقتصادية وتمكين الشباب وتحسين الخدمات العامة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى وعي المواطن بوصفه خط الدفاع الأول أمام محاولات التضليل.

ولا يمكن النظر إلى حملة التضليل التي تقودها جماعة الإخوان كمجرد نشاط إعلامي معارض، بل هي انعكاس مباشر لأزمتها البنيوية العميقة: فقدان التأثير الشعبي، وتراجع القدرة التنظيمية، وتصاعد الضغوط الدولية، وتحول البيئة الإقليمية ضدها.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الجماعة تراهن على الفضاء الرقمي كملعب أخير للصراع، فيما تراهن الدولة على الوعي العام والإنجاز الملموس كحصن أساسي في مواجهة ما تصفه بـ"حرب الوعي".