'المدينة الإسلامية': تراث البهجة وفلسفة العمران بين الماضي والحاضر

خالد عزب يقدم العمارة الإسلامية ككيان حي قائم على فلسفة "البهجة" و'فقه العمران'، محولا المدن من مجرد كتل إسمنتية إلى فضاءات إنسانية تحقق التوازن بين القيم الروحية والاحتياجات المادية.

يُقدم المؤرخ والكاتب د.خالد عزب في كتابه "المدينة الإسلامية: تراث البهجة والعمران" رؤية مركزية تعتبر المدينة كياناً حياً يجسد القيم الروحية والحضارية، متجاوزاً النظرة المادية الضيقة للأبنية ليجعل من "البهجة" فلسفة عمرانية تهدف إلى تحقيق السكينة النفسية والتناغم مع الفطرة الإنسانية. وينطلق هذا الطرح من النموذج الأول في المدينة المنورة ليؤكد أن عبقرية المعمار المسلم تكمن في صياغة "فقه للعمران"، ويوازن بدقة بين خصوصية المسكن وحيوية الفضاء العام، محولاً الدروب والأسواق والمساجد إلى نسيج اجتماعي متلاحم يحترم حقوق الجوار ويحتفي بجماليات الحياة. وبذلك لا يقف الكتاب عند حدود التاريخ، بل يطرح التراث كمرجع قيمي لعلاج تشوهات المدن المعاصرة، مؤكداً أن عمارة الأرض في الإسلام هي رسالة جمالية وضرورة أخلاقية تجعل من المدينة بيتاً للروح ومستقراً للطمأنينة.

تنطلق رؤية عزب في مقدمة كتابه الصادر عن دار تمهيد من اعتبار المدينة الإسلامية تجسيداً حياً ومستمرة لروح الحضارة الإسلامية، فهي في نظره ليست مجرد أطلال من الماضي أو كتل صامتة من الحجر، بل هي كيان ديناميكي ممتد عبر الجغرافيا من حدود الصين شرقاً إلى شواطئ الأطلسي غرباً، وشاهد باقٍ على عبقرية الإنسان المسلم في تطويع البيئة لتلائم احتياجاته الروحية والمادية.

ويرى أن سر بقاء هذه المدن وجاذبيتها التاريخية يكمن في مفهوم "البهجة" الذي يشكل الفلسفة العميقة للعمارة الإسلامية، حيث لم يكن المعماري المسلم يسعى وراء الضخامة الجوفاء أو المباهاة العمرانية المجردة، بل كان هدفه الأسمى هو تحقيق التناغم النفسي والسكينة للسكان، مما يجعل من المدينة مكاناً يبعث على الانشراح والطمأنينة.

البهجة التي يتحدث عنها عزب ليست مجرد ترف جمالي، بل هي نتيجة مباشرة للتوافق الدقيق بين احتياجات الجسد ومتطلبات الروح، وهو ما يظهر بوضوح في تلك الانسيابية الفائقة عند الانتقال من فضاء المسكن الخاص الذي يوفر الخصوصية والستر، إلى المسجد الجامع الذي يمثل المركز الروحي، وصولاً إلى الأسواق والساحات العامة التي تعج بالحركة والحياة. ويؤكد في رؤيته أن المدينة الإسلامية قامت على أسس قيمية واجتماعية مستمدة من الشريعة، حيث تحول العمران إلى أداة لترسيخ التكافل وتحقيق الرفاهية الإنسانية، مما جعلها مدناً صديقة للإنسان والبيئة في آن واحد، ومجتمعاً عمرانياً يحترم الجوار ويقدر الحرمات.

هذه الرؤية التي قدم بها عزب كتابه تضعنا أمام فهم عميق للعمارة لا يكتفي برصد الأشكال والزخارف، بل يغوص في المضمون الأخلاقي والوظيفي الذي جعل من هذه المدن واحات للأمن والاستقرار عبر القرون، حيث يشدد عزب على أن دراسة هذا التراث ليست غاية في حد ذاتها، بل هي محاولة واعية لاستعادة "بوصلة العمران" المفقودة في العصر الحديث، من خلال استلهام تلك القيم التي جعلت المدينة الإسلامية نموذجاً فريداً في الاحتفاء بالحياة وعمارة الأرض بما يحقق سعادة الإنسان في الدارين، مؤكداً أن تراث البهجة هذا هو ما يمنح مدننا هويتها الضاربة في جذور التاريخ.

تأسس المدخل النظري في رؤية عزب على تأصيل فلسفي ولغوي وعمراني عميق لمفهوم المدينة، حيث يبدأ باستنطاق الدلالات اللغوية لكلمة مدينة التي يراها مشتقة من الفعل مَدَنَ بمعنى أقام واستقر، أو من الدَّيْن بمعنى الخضوع لسلطة ونظام وقانون، مما يجعل المدينة في جوهرها تعبيراً عن حالة من الانضباط والتحضر التي تتجاوز مجرد التجمع السكاني. ويرى أن هذا المفهوم تبلور تاريخياً مع الهجرة النبوية التي حولت يثرب من مجرد واحة زراعية تقطنها قبائل متنازعة إلى المدينة المنورة التي أصبحت مركزاً سياسياً وروحياً موحداً، لتكون بذلك النموذج المعياري الأول الذي انبثقت منه كافة المدن الإسلامية اللاحقة، حيث لم تكن العمارة فيها غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتنظيم حياة المجتمع الجديد وفق قيم الإسلام.

يطرح عزب فكرة مركزية مفادها أن المدينة الإسلامية هي نتاج مباشر لما يسمى بفقه العمران، وهي مجموعة القواعد الشرعية التي تنظم حقوق الجوار، ومسارات الطرق، وخصوصية المساكن، وتصريف المياه، وغيرها من التفاصيل الدقيقة التي أوجدها الفقهاء والمعماريون لمواجهة المشكلات اليومية للسكان. وهذا يعني أن عمارة المدينة لم تكن خاضعة لمخططات إدارية جافة وفوقية، بل كانت عملية نمو طبيعي واجتماعي يشارك فيها الأفراد والمجتمع، مما أضفى عليها تلك الروح الإنسانية والمرونة العالية في الاستجابة للمتغيرات عبر العصور.

كما يؤكد على مبدأ "إحياء الموات" كركيزة اقتصادية وتشريعية دفعت بحركة العمران نحو الأمام، حيث جعل الإسلام من عمارة الأرض البور واستصلاحها سبباً للتملك، وهو ما حفز الأفراد على البناء والاستثمار في بنية المدينة. ومن هنا يرى عزب أن المدينة الإسلامية كانت تتنفس من خلال الأوقاف التي مولت المساجد والمدارس والمستشفيات، مما جعل الخدمات العامة حقاً مشاعاً يكفله المجتمع لنفسه بعيداً عن تقلبات السلطة السياسية. وتكتمل هذه الرؤية بالنظر إلى المدينة ككيان أخلاقي قبل أن يكون مادياً، حيث تذوب الفوارق الطبقية في الفضاءات العامة كالأسواق والمساجد، وتتحقق "البهجة" العمرانية من خلال التوازن الدقيق بين حاجة الفرد في العزلة والستر داخل بيته، وبين واجبه في المشاركة والتفاعل داخل النسيج الحضري العام، لتصبح المدينة بذلك تجسيداً أرضياً لمفهوم الاستخلاف في الأرض وعمارتها بالحق والجمال.

تتمحور رؤية عزب في الفصل الأول من كتابه، حول فكرة جوهرية مفادها أن نشأة المدينة الإسلامية لم تكن مجرد بناء جدران، بل كانت عملية "إعادة صياغة للمكان" وفق منظور قيمي ووظيفي جديد بدأ مع الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة. ويرى أن هذه الهجرة مثلت نقطة التحول من "يثرب" كواحة زراعية مشتتة إلى "المدينة" ككيان حضري منظم، حيث باشر الرسول ﷺ تحديد الوظائف الأساسية للمكان التي لا يقوم الدين والمجتمع إلا بها، مستنبطاً عناصر العمران من احتياجات الجماعة المسلمة الأولى.

ويؤكد أن المسجد كان اللبنة الأولى في هذا التأسيس العمراني، حيث لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل كان المركز الذي انطلقت منه كافة عناصر المدينة الأخرى. ويستعرض قصة بناء المسجد النبوي ليدلل على فلسفة "البساطة والفاعلية"، فقد اختير موقعه في "مربد" (مكان تجفيف التمر) اشتراه الرسول ﷺ من غلامين يتيمين لترسيخ مبدأ الحقوق والملكية، ثم شيد البناء بمواد بيئية أولية كالحجر واللبن وجذوع النخل والجريد. هذه البساطة المعمارية لم تمنع المسجد من أن يكون مؤسسة متعددة الوظائف، حيث شمل مساحة "للصفة" لإيواء الغرباء والفقراء، وخصصت له أبواب متعددة لتنظيم حركة الدخول والخروج، مما جعل منه نموذجاً معيارياً للمسجد الجامع الذي سيصبح لاحقاً قلب كل مدينة إسلامية تنشأ في الأمصار.

يركز عزب في الفصل الثاني على العناصر الجوهرية التي تُشكل النسيج المعماري للمدينة الإسلامية، منطلقاً من رؤية مفادها أن هذه المكونات ليست مجرد أبنية صامتة، بل هي أدوات وظيفية وجمالية صاغت حياة المجتمع الإسلامي وحققت له مفهوم "البهجة". ويرى أن المدينة الإسلامية تقوم على خمسة عناصر رئيسية متداخلة هي المسجد الجامع، ومقر ولي الأمر والقاضي، والسوق، والأحياء السكنية، والأسوار والبوابات. ويبدأ بتناول المسجد الجامع ليس كمنشأة دينية فحسب، بل كفراغ معماري مُصمم لتعزيز "المضمون" العقائدي قبل الشكل؛ حيث يهدف التصميم إلى توفير بيئة تساعد المصلي على الخشوع والرهبة بعيداً عن الانبهار والزينة المفرطة التي قد تشتت الانتباه.

وينتقل لاستعراض رؤيته حول الأحياء السكنية، مؤكداً أنها صُممت لتكون عالماً مصغراً يوفر أقصى درجات الخصوصية لسكانها، وهو ما يفسر تشعب مسارات الشوارع والدروب في خطوط ملتوية ووجود المسالك المقفولة التي توفر الحماية وتمنع اختراق الغرباء للفضاء الخاص. كما يبرز أن هذه الأحياء لم تكن مقسمة طبقياً، بل عاش فيها الغني والفقير جنباً إلى جنب، مما عزز روابط التضامن الاجتماعي. أما الأسواق، فيصفها المؤلف بأنها محاور للحركة تنساب وتتعرج داخل الكتلة العمرانية، لتربط بين الأحياء وتكون مكاناً للقاء والتبادل التجاري والاجتماعي.

وينفتح عزب في الفصل الثالث على آفاق أكثر رحابة وعمقاً، حيث يستعرض "مفردات الجمال والبهجة" التي منحت المدينة الإسلامية هويتها البصرية والحسية الفريدة، منطلقاً من رؤية تعتبر الجمال قيمة إيمانية ووظيفية لا تنفصل عن بنية العمران. ويرى أن هذه البهجة تجلت بوضوح في الاستخدام العبقري للخط العربي كعنصر زخرفي وتوثيقي يزين واجهات المباني وجدران المساجد والمدارس، حيث لم تكن الكتابات مجرد نصوص جامدة، بل كانت لغة بصرية تسبح في فضاء العمارة وتمنح الساكن والزائر شعوراً بالاتصال بالخالق وبالتاريخ، محولةً الجدران الصامتة إلى صفحات مقروءة تبث الطمأنينة في النفوس.

وتتعمق الرؤية لتشمل دور "الماء والخضرة" كركائز أساسية في صناعة البهجة الحضرية، حيث يبرز عزب فلسفة الحديقة الإسلامية أو "الرياض" التي لم تكن مجرد ترف جمالي، بل كانت محاكاة لصورة الجنة في الوجدان المسلم، وفراغاً بيئياً ضرورياً لتلطيف الأجواء الحارة وخلق ميكروكليما (مناخ محلي) مريح داخل النسيج العمراني المكتظ.

ويصف كيف انساب الماء في السبل والنافورات والفسقيات ليحقق توازناً سمعياً وبصرياً يكسر حدة الضوضاء ويجلب السكينة، معتبراً أن وجود الماء في قلب المدينة هو تعبير عن الكرم الإنساني والرفق بالخلق، وهي قيم جوهرية صاغت ملامح المدن من دمشق إلى غرناطة.

وهنا أيضا يتوقف مع عنصر "الضوء والظلال" وكيفية تلاعب المعماري المسلم بهما من خلال المشربيات والقمريات والعقود، مما خلق إيقاعاً متغيراً من النور يمنح الفراغات المعمارية حيوية مستمرة طوال النهار، ويحقق في الوقت ذاته الخصوصية والستر داخل البيوت. ويختتم بالتأكيد على أن وحدة الفنون الإسلامية من تزويج الخشب والرخام والفسيفساء قد انصهرت جميعاً لتشكل "سيمفونية بصرية" متناغمة، حيث لم يكن هناك فصل بين ما هو جميل وما هو نفعي، بل كان كل تفصيل معماري صغيراً كان أم كبيراً يسعى لتحقيق غاية واحدة وهي إكرام الإنسان وإسعادة في بيئته العمرانية، مما جعل من المدينة الإسلامية بحق تراثاً حياً للبهجة والجمال.

في الخاتمة يقدم عزب رؤية نقدية واستشرافية عميقة، حيث لا يكتفي فيها بسرد ما مضى، بل يجعل من التراث جسراً نحو المستقبل. مؤكدا أن الأزمة التي تعيشها مدننا المعاصرة اليوم هي أزمة هوية في المقام الأول، حيث اجتاحتها "الفوضى العمرانية" التي أفقدتها ملامحها المميزة وجعلتها نسخاً مكررة من مدن عالمية أخرى لا تربطها ببيئتنا وشعوبنا صلة وجدانية أو ثقافية. إن الرؤية الختامية للكتاب تشدد على أن استعادة "بهجة" المدينة الإسلامية ليست دعوة للانحباس في الماضي أو محاكاته شكلياً بطريقة جامدة، بل هي دعوة لاستلهام المنظومة القيمية والتشريعية التي جعلت من المدينة القديمة فضاءً إنسانياً بامتياز.

ويؤكد أن الحل لمشكلات العمران الحديث يكمن في العودة إلى "فقه العمران" بروح عصرية، عبر إعادة الاعتبار لحقوق الجوار، والخصوصية، والتكامل بين الوظائف الاجتماعية والدينية والاقتصادية. وهو يطرح مشروعاً لإعادة بناء الهوية العمرانية الأصيلة التي توازن بين متطلبات الحداثة وروح التراث، مشدداً على أن المدينة يجب أن تعود لتكون "كائناً حياً" يتفاعل مع سكانه ويحقق لهم السكينة النفسية والبهجة البصرية، بدلاً من أن تظل مجرد كتل إسمنتية صماء. إن نداء المؤلف في الختام هو نداء للمتخصصين وصناع القرار والمثقفين بضرورة استعادة "بوصلة الجمال" في تخطيط المدن، والعمل على خلق بيئة عمرانية تعيد للإنسان العربي والمسلم شعوره بالانتماء والفخر بجذوره، مؤكداً أن تراث البهجة ليس ملكاً للتاريخ وحده، بل هو حق للأجيال القادمة يجب استرداده وتطويره لمواجهة تحديات العولمة والنمو الحضري المتسارع.