هل نحتاج أكاديمية سينمائية ملكية تضع جينات الإبداع فوق المصالح؟

ماذا لو تم إنشاء أكاديمية محمد السادس للمهن السينمائية الحديثة كما في كرة القدم؟

لا يمكن إنكار أن السينما المغربية، والدراما التلفزيونية، تعاني منذ سنوات من شبكة معقدة من العلاقات المبنية على المصالح الشخصية والوساطات، فقلّما نجد صانع فيلم مغربي أو مساعد مخرج أو ممثلًا لم يستعن بالواسطة في سبيل الحصول على فرصة عمل أو الانخراط في مشروع سينمائي أو تلفزيوني، سواء في الإنتاج أو في المهرجانات التي تحتفي بالأعمال الفنية، بينما هذه الظاهرة أصبحت واضحة للعيان، إذ تتقاطع المصالح الشخصية مع مسار الإبداع المهني، وتتحول العلاقات الاجتماعية أحيانًا إلى عائق أمام اختيار الكفاءات الحقيقية.

 وفي ظل هذه البيئة الفاسدة، يصعب على المواهب الجديدة إثبات جدارتها، ويظل الإبداع محصورًا بين الدوائر التقليدية للأسماء المعروفة، وهذا حجقيقة يحد من التنوع الفني ويضعف القدرة على التجديد والابتكار.

فكيف يمكن للسينما المغربية أن تنهض وتواكب المعايير العالمية في ظل هذه الشبكات غير الشفافة؟ وهل من سبيل لإعادة هيلكة المجال السينمائي بطريقة تضمن تكافؤ الفرص وتقدير الكفاءة بعيدًا عن المصالح الشخصية؟ يبدو أن الحل يكمن في إحداث أكاديمية محمد السادس لمهن السينما والفنون، كمؤسسة متخصصة تضع معايير واضحة للاختيار والتكوين، وتفتح المجال أمام المواهب الحقيقية لتطوير قدراتها في بيئة مهنية وشفافة، بعيدًا عن تأثير الوساطات والعلاقات الشخصية. وهذه الأكاديمية ستكون آلية إعادة بناء هيكلية القطاع السينمائي والفني من أساسه، بما يضمن أن يصبح الإبداع معيارًا أول، والكفاءة معيارًا لا يُستغنى عنه في جميع مراحل صناعة الفيلم أو العمل التلفزيوني.

تسعى المملكة المغربية منذ عقود إلى تطوير مختلف القطاعات الثقافية والفنية، وتعمل على بناء قاعدة صلبة من الكفاءات قادرة على تمثيل المغرب بشكل بارز على الساحة الدولية. فعلى سبيل المثال أثبتت أكاديميات كرة القدم نجاحها في اكتشاف المواهب منذ سن مبكرة وتدريبها على أعلى مستوى، الشئ الذي أخرج لاعبين مغاربة حققوا إنجازات عالمية. لكن ماذا لو تم نقل هذا النموذج الناجح إلى عالم السينما والفنون السمعية البصرية؟

 تخيل أن يتم إنشاء أكاديمية محمد السادس للمهن السينمائية، تضم كل التخصصات السينمائية، وتصبح مركزًا لتكوين المخرجين والممثلين والمنتجين وفنيي السينما، مع توفير برامج تعليمية متقدمة تجمع بين النظرية والتطبيق.

سيكون هذا المشروع بمثابة نقلة نوعية لصناعة السينما المغربية، لانه بكل بساطة سيساهم في اكتشاف المواهب مبكرًا، ويمنحها الإمكانيات لتطوير نفسها بطريقة احترافية، ويجعل المغرب بيئة خصبة للإبداع السينمائي على مستوى عالمي.

ويمكن للأكاديمية اكتشاف المواهب منذ مراحل عمرية مبكرة، تمامًا كما تفعل أكاديميات كرة القدم، حينما يتم اختيار الأطفال الموهوبين من مدارسهم الابتدائية بناءً على شغفهم وقدرتهم على التعلم والتفكير الإبداعي، بينما ستعمل الأكاديمية على تنظيم مسابقات سنوية، ورشات فنية، ومخيمات صيفية تركز على مختلف جوانب صناعة الفيلم، بدءًا من التمثيل وحتى الإخراج والتصوير والمونتاج، في حين يمكن تطوير برامج تعليمية خاصة للأطفال والشباب تجمع بين الجانب النظري والجانب العملي، بما يزيد في فهمهم للسينما كفن متعدد الأبعاد، فتخيل أن يكون هناك طلاب في سن 12 أو 13 يكتبون سيناريوهات قصيرة، ويصورونها بأنفسهم، ثم يعرضونها في مهرجان داخلي للأكاديمية، ألن  يمنحهم هذا تجربة مباشرة في عالم صناعة الأفلام قبل حتى التفكير في الاحتراف؟ فهذه التجربة المبكرة تفعل جينات الإبداع النقدي، والتفكير الابتكاري، والعمل الجماعي، وهي مهارات أساسية لأي مبدع سينمائي.

ويمكن للأكاديمية توفير تدريب شامل على مستوى عالمي يغطي كل مراحل الإنتاج السينمائي، من كتابة السيناريو إلى التوزيع والتسويق، بينما يستفيد الطلاب من دورات عملية على أحدث الأجهزة والمعدات السينمائية، ويعملون جنبًا إلى جنب مع مخرجين ومنتجين محترفين، سواء من المغرب أو الخارج. وبالإضافة إلى التدريب الفني، ستعمل الأكاديمية على تعليم الطلاب مهارات إدارة الإنتاج، تنظيم الميزانية، والتعامل مع الطاقم الفني والتمثيلي، بحيث يصبح الطالب قادرًا على إدارة مشروع سينمائي كامل بعد التخرج. كما يمكن للأكاديمية إنتاج أفلام قصيرة بشكل دوري كجزء من مناهجها التعليمية، ويُعرض بعضها في مهرجانات محلية ودولية، ليمنح الطلاب فرصة لاكتساب خبرة حقيقية والتعرف على متطلبات الصناعة العالمية، وهذا التدريب المكثف والمتعدد الأبعاد سيخلق جيلاً من المهنيين القادرين على المنافسة، كما سيزيد في رفع جودة الإنتاج السينمائي المغربي الذي لا يتجاوز خمسين فيلم في السنة.

ويمكن للأكاديمية تقوية الإنتاج السينمائي المغربي الحر، بعيد  عن علاقات مصالح من خلال تزويد السوق بكفاءات متخصصة في جميع مجالات السينما. وهذا  يرفع جودة  الافلام السينمائية في تنوعها من حيث المواضيع والأساليب الفنية، إذ يمكن للشباب المدربين حديثًا تقديم أفكار مبتكرة لا تتقيد بالقوالب التقليدية، بينما وجود أكاديمية متخصصة سيمكن المغرب من إنتاج أفلام تصل إلى المستوى الدولي، ويزيد من حضور السينما المغربية في المهرجانات العالمية ويعطي صورة إيجابية عن الثقافة المغربية. فتخيل أن يكون لدينا مخرجون شباب قادرون على صناعة أفلام تتناول قصصًا محلية بلمسة فنية عالية الجودة، تُترجم للعالمية، وتبرز التراث المغربي المعاصر، وهو ما  يخلق هوية سينمائية وطنية قوية تعبر عن التنوع الثقافي والفني للمملكة.

ويمكن للأكاديمية خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لشباب المغرب في جميع تخصصات السينما، سواء في الإخراج، التمثيل، التصوير، تصميم الديكور، المؤثرات البصرية، أو حتى التسويق السينمائي. بينما ستكون الأكاديمية منصة لدعم المبادرات الفردية والجماعية، حينها يمكن للطلاب بعد التخرج تأسيس شركات إنتاج صغيرة أو الانضمام إلى مشاريع كبيرة محلية ودولية، كما ستخلق الأكاديمية فرص عمل غير مباشرة من خلال تشجيع صناعة السينما كقطاع اقتصادي ناشئ، بما في ذلك خدمات تجهيز المعدات، التدريب الفني، والمهرجانات السينمائية،  لتحريك الاقتصاد الثقافي المغربي، ويمكننا تخيل مدينة مثل الرباط أو الدار البيضاء تصبح مركزًا حيويًا للسينما، مع طلاب وخريجين يعملون في إنتاج عشرات الأفلام سنويًا، ويخلقون شبكة اقتصادية ثقافية تدعم الإبداع والابتكار.