'جوازة ولّا جنازة'.. توليفة متعسفة للجمع بين الكوميديا والتراجيديا

المخرجة الفلسطينية أميرة دياب أضافت بعدا فنيا يتمثل في مدى فهم واستيعاب الجوانب التشكيلية في لوحة سوريالية أقيمت في الصحراء.

القاهرة- لم يحظ الفيلم الجديد "جوازة ولّا جنازة" بجاذبية كبيرة لدى شريحة كبيرة من الجمهور عقب طرحه في دور العرض بمصر منذ نحو أسبوعين. ولم يتمكن من تقديم رؤية دقيقة تجمع بين الكوميديا والتراجيديا بلا مطبات فنية.
جاءت توليفة الفيلم حاوية لنوع واضح من التعسف، بينما أراد صناعه تأكيد قدرتهم على الجمع بين نقيضين، يسعى كثير من المخرجين نحو تضمينها في أعمالهم الأولى، لتعزيز ابداعهم الفني، وإرضاء شريحة عريضة من الجمهور، يغرمون دائما بهذه الأعمال.

سلك الفيلم منهج العزف على التناقضات، بدءا من عنوانه (جوازة ولّا جنازة) وحتى نهايته عندما عاد البطل حسن الدباح ولعب دوره الفنان شريف سلامة إلى حبيبته تمارا ولعبت دورها الفنانة نيللي كريم. وبدا استخدام لقب "الدباح" كدلالة على العنف والقوة والشدة، بينما طبيعة الدور تتطلب رومانسية.

وظّفت المخرجة أميرة دياب فارق السن بين تمارا التي تريد الزواج ومعها طفل من زوج سابق، وبين حسن الشاب اليافع الذي يتزوج لأول مرة، وتم اضفاء مزيد من المتعة الفنية على التناقض في هذه المسألة، لكنها لم تكن واضحة في رؤيتها النهائية، حيث ذابت وسط ضجيج الخلافات بين أسرتي تمارا والدباح.

اعتمدت المخرجة أميرة دياب، والتي شاركت في التأليف أيضا مع الكاتبة دينا ماهر، على ما تحمله الطبقات الاجتماعية من فوارق بين أسرتين. إحداهما تمثل أرستقراطية جار عليها الزمن ولم تعد تملك مالا وفيرا، وهي أسرة تمارا، والأخرى تمثل طبقة اجتماعية متواضعة- عشوائية، تملك الكثير من المال، بحكم تجارتها في المواشي وعملها في الجزارة المربحة، وهي أسرة الدباح، المستوحى لقبها من ذبح المواشي.

مفردات حضارية وعشوائية

تمثل كل أسرة طبقة اجتماعية معينة. تستخدم مفرداتها الحضارية أو العشوائية. وفي قوالب متعددة جرى الكشف عن ثقافة كل طبقة، وتوظيف الماضي الأرستقراطي الناصع لإضاءة الحاضر المظلم، أو الحاضر المظلم على حساب الماضي القاتم. وهي ثيمة فنية تقليدية، تمت معالجتها في أفلام سابقة، للاستفادة من قماشة واسعة من التباينات بين الطبقات، كمدخل جيد للجمع بين الكوميديا والتراجيديا.

تدور قصة فيلم "جوازة ولّا جنازة" حول رغبة حسن في الزواج من تمارا لاستكمال ما ينقصه من إرث اجتماعي متدن، بينما تريد تمارا الحصول على ثروة توفر لها حياة رغدة، تنتشل من خلالها أسرتها من فقر يلوح في الأفق.

عبّرت كل أسرة عن معدنها الاجتماعي في الكثير من التصرفات التي قامت بها. في طريقة التحضير لحفل الزفاف، ومكوناته من الطعام والملابس والضيوف والمقاعد وعددها، والديكور ونوعه.

بمناسبة الديكور، استدعت تمارا صديقها السابق عمر وقام ببطولته الفنان عادل كرم، كي يتولى تجهيز الديكورات اللازمة لحفل الزفاف، مستوحيا من الصحراء شكلا رمزيا ليؤكد أنه فنان قدير، ويستوعب ما تريده تمارا ليصبح حفل زفافها أسطوريا.

لوحة سوريالية

أسهمت الصحراء والفضاء الرحب في تمكين عمر من تقديم ديكور فني يستفيد من المساحة الشاسعة، ويوحي أن المكان له دور في البطولة، حيث استخدم التناقض مرة أخرى من خلال اقحام شخصية راعي الغنم وقام بها الفنان أمير صلاح، والذي يشتبك مع حسن الدباح، لأنه أثناء ذهابه إلى مقر إقامته دهس واحدة من أغنامه بسيارته في الطريق، واستخدم الدهس كمبرر لظهور شخصية راعي الغنم، والتي ظهرت بعد ذلك في الحفل وعملية تنظيمه والبذخ الذي يخيّم عليه بسبب كثافة الخراف التي جرى ذبحها لتقديمها للضيوف، بينما سكان الصحراء يعانون من شظف في العيش، وهو ما دفع راعي الغنم إلى سرقة الخراف المذبوحة (اللحوم) من ثلاجة الفندق.

لم تكتف المخرجة الفلسطينية أميرة دياب بسرد سلسلة من التناقضات، الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية، وأضافت إليها بعدا فنيا يتمثل في مدى فهم واستيعاب الجوانب التشكيلية في لوحة سوريالية أقيمت في الصحراء. كشفت فحواها عن فروق كبيرة بين حسن وتمارا. فالأول لا يهمه نوع الفن وشكل الديكور، والثانية متيّمة بتقديم ظاهرة جديدة في حفلها يتحدث عنها الناس طويلا.

تحت ضغوط العاطفة الجامحة والحب الجارف والرغبة في تحقيق قفزة حضارية، يضطر حسن إلى تقديم تنازلات رضاء لتمارا، ويحافظ على اتمام زفافه منها، لكنه يرفض التنازل عندما يصل المستوى إلى حد إهانة والدته وقامت بدورها الفنانة انتصار، من جانب والدة زوجته وأدت دورها بإمتياز الفنانة لبلبة. كشفت هذه المواجهة عن صعوبة تجاوز التناقضات المتجذرة في شخصيته، وعاد بموقفه الرافض للمساس بأسرته إلى طبيعته الاجتماعية الحقيقية.

قد يكون اختيار أميرة دياب لفيلم "جوازة ولا جنازة" موفقا، كأول تجربة سينمائية روائية طويلة موفقا إلى حد بعيد، على الرغم من أنه أتعبها كثيرا في تقديم نفسها كمبدعة، وفرض عليها البقاء في مصر لمدة عام ونصف متواصلة لدراسة المجتمع والبيئة واللهجة العامية، والانتقال إلى صحراء في محافظة الفيوم بجنوب غرب القاهرة. كما أتاح لها مساحة فنية كبيرة للحركة والتنوع والابداع، فغالبية المشاهد، تضم أفكارا عميقة في قالب كوميدي، تم تقديمها بنعومة فنية، لكن كان يمكن أن تصبح المشاهد أكثر جاذبية لو تم تخفيف قبضة التناقضات، وتُرك السيناريو بلا افتعال.

تراجع دراماتيكي

كما أن ثيمة الخير والشر، وانتصار الأول في النهاية من خلال العقاب الإلهي بدت مفتعلة، بها درجة من الاقحام تقلل من القيمة الفنية للعمل. ظهر ذلك في موقفين. الأول: مؤامرة شقيقة تمارا وقامت بدورها الفنانة دنيا ماهر (العانس) لتخريب حفل الزفاف، وغيرتها الشديدة من شقيقتها، التي تدفعها للتحالف مع صديق تمارا السابق عمر لمنع اتمام الحفل، حيث انكشفت حيلتها لدفع حسن نحو الهاوية من أعلى صخرة كي يلقى حتفه. والموقف الثاني: الزج بعمر داخل ثلاجة اللحوم حتى يتجمد ويلقى نهاية مأساوية، كنوع من العقاب لمحاولاته تفشيل زواج حسن من تمارا.

في اللحظة التي وصل فيها الخصام بين الأسرتين إلى ذروته وألغي الحفل وأعلن عن فشل الزواج، لجأت المخرجة إلى كشف الحقيقة بشكل متأخر. وعرف حسن أن تمارا بريئة من تصرفات أسرتها ولا تربطها علاقة في الحاضر مع صديقها السابق عمر، فينتابه حنين إلى البحث عنها وإنقاذها من التيه في الصحراء أو الغرق في إحدى البحيرات الطبيعية وسطها، ويكتمل حفل الزفاف.

تحول الجوازة (الزواج) إلى جنازة، ينطوي على تشبيه للحزن واليتم ثم انقلبت الجنازة إلى جوازة ووظفت المفردتان لاستكمال العزف الفني على التناقضات المجتمعية.

قد تكون شخصية حسن الدباح التي قام بها شريف سلامة باقتدار، وجمع فيها بين الكوميديا والتراجيديا، بداية لإنطلاقة سينمائية جديدة له بعد نجاحه في الدراما التلفزيونية. ولاستكمال هذا الطريق بحاجة إلى مزيد من التدقيق في أعماله المقبلة، ليصبح في مقدمة نجوم الصف الأول بمصر، الذي شهد تحولات في السنوات الأخيرة.