أربيل تقود قطار التهدئة بين قسد ودمشق
أربيل - شهدت العاصمة أربيل، اليوم الخميس، حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يُعد الأبرز منذ اندلاع الاشتباكات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، حيث أفضت اللقاءات التي جمعت المبعوث الرئاسي الأميركي توم باراك بقائد القوات الكردية مظلوم عبدي إلى إعلان الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، برعاية وضمانة مباشرة من قيادة إقليم كردستان العراق.
ولم يكن اختيار أربيل لاستضافة هذه اللقاءات المفصلية وللمرة الثانية خلال أسبوع مجرد صدفة، بل يعكس تحول الإقليم إلى مركز ثقل استراتيجي وقناة اتصال لا غنى عنها بين واشنطن ودمشق والقامشلي.
ويمتلك كردستان علاقات تاريخية مع واشنطن، واتصالات متوازنة مع الحكومة السورية الجديدة في دمشق، مما جعله "الوسيط الموثوق" القادر على توفير الضمانات السياسية والميدانية التي يطالب بها الأكراد السوريون مقابل الاندماج في الدولة.
وتعكس مشاركة "المجلس الوطني الكردي" في هذه الاجتماعات رغبة أربيل في إنهاء الانقسامات الكردية - الكردية، لضمان دخول الكرد في سوريا ككتلة واحدة قوية وموحدة ضمن مفاوضات الدستور الجديد في دمشق.
وتركزت المباحثات الموسعة على آليات تنفيذ اتفاق 18 يناير/كانون الثاني الذي يمثل حجر الزاوية في إنهاء الصراع المسلح، وتتخلص أبرز نقاطه في تحويل مقاتلي "قسد" إلى جزء من المنظومة الدفاعية السورية المركزية على أساس فردي، مما ينهي وجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، ووضع معابر الحدود وحقول النفط والغاز تحت إدارة الحكومة المركزية في دمشق، مقابل تخصيص ميزانيات تنموية للمناطق الشمالية والشرقية، بالإضافة إلى تفعيل المرسوم رقم 13 الذي أصدرته إدارة الشرع كبادرة حسن نية، والذي يضمن الاعتراف بالهوية الثقافية والسياسية للكرد ضمن سوريا الموحدة.
ولعبت القيادة في إقليم كردستان دور "المحرك الفاعل" وليس فقط "المضيف"، وهو ما ظهر في وساطة الزعيم مسعود بارزاني الذي قاد اجتماعاً ثلاثياً حاسماً في الـ17 من الشهر الجاري، واضعاً ثقله السياسي لتقريب وجهات النظر بين عبدي وواشنطن، مع التركيز على حماية الخصوصية القومية للكرد في إطار وحدة الأراضي السورية.
بدوره أكد نيجرفان بارزاني رئيس الإقليم خلال لقائه عبدي اليوم الخميس على أن "الحوار هو المسار الوحيد المستدام"، مشدداً على أن الإقليم سيواصل اتصالاته مع كافة الأطراف الدولية لمنع أي انزلاق عسكري مجدداً، واصفاً استقرار سوريا بأنه "مصلحة قومية عليا" لاستقرار المنطقة.
وأكد المبعوث الأميركي توم باراك أن العمل جارٍ حالياً على تنفيذ "تدابير بناء ثقة" تشمل ملفات إنسانية وأمنية، تهدف إلى إزالة التوجس التاريخي بين الأطراف. وبدعم من أربيل، تسعى واشنطن لضمان انتقال سلس للملفات الحساسة (مثل السجون والمخيمات) إلى عهدة الحكومة السورية المركزية، مع مراقبة دولية لضمان عدم حدوث تجاوزات.
وباختصار يمكن القول إن مخرجات لقاء أربيل اليوم تؤكد أن إقليم كردستان بات يمثل "صمام أمان" للاتفاق التاريخي بين دمشق والقامشلي، وأن الوساطة الأميركية، المدعومة بحكمة القيادة في أربيل، قد نجحت في تحويل مسار الصراع في الشمال السوري من المواجهة العسكرية إلى التكامل السياسي والإداري.