الرومانسية تمنح مسلسل '2 قهوة' جاذبية قلقة لدى الجمهور

الدراما المصرية تلجأ إلى التقاطعات الإنسانية لاستعادة بريقها الفني.

القاهرة- انتهت قناة "دي.ام.سي" المصرية من عرض مسلسل "2 قهوة". وتركت النهاية التقليدية الكثير من الأسئلة، حيث تكللت قصة حب بزواج البطل يحيى وقام بدوره الفنان المصري أحمد فهمي، من البطلة نيللي وأدت دورها الفنانة السورية مرام علي في أول إطلالة رئيسية لها من خلال الدراما المصرية. ونجح كلاهما في تجاوز العقبات الاجتماعية والإنسانية التي كادت طوال عرض العمل المكون من 30 حلقة أن تفسد العلاقة بينهما وتؤدي إلى تدمير فكرة الارتباط والزواج.

تعتمد فكرة المسلسل المصري على المزج بين طباع رجل مصري وفتاة سورية تقيم في القاهرة مع والدها بعد وفاة والدتها السورية في دمشق، وتقيم مشروعا في حي الزمالك الراقي بالقاهرة، عبارة عن كافيه ومطعم، اختارت له اسم "2 قهوة"، واتخذ منه العمل الدرامي اسما له، لجذب الانتباه والتأكيد أن المكان محور الحدوتة الفنية، تلتقي فيه جميع عناصرها لأسباب مختلفة. بعضها للحب والرومانسية. وبعضها للاجتماع. وهناك فئة تذهب تتمتع بالمكان لموقعه الجغرافي المتميز.

فراشة سورية في القاهرة

ينجذب البطل (يحيى) ويعمل أستاذا جامعيا ومقدما لبرنامج في قناة فضائية، نحو الفتاة نيللي، التي بدت مثل الفراشة السورية في قلب القاهرة لخفة حركتها وقدرتها على التنقل في علاقاتها الإنسانية دون أن تقصد اقامة علاقة عاطفية. فقط يحيى هو الذي جذب انتباهها، بوسامته الظاهرة وشخصيته القوية وحضوره الطاغي وثقافته الواسعة. كما أن نيللي الوحيدة التي لفتت انتباهه بعد قصة زواج فاشلة، أثمرت عن طفلة مرتبطة به، وتخشى أن يتزوج ويتركها كما تركتها أمها (هبة) للسفر وتحقيق طموحها المادي في بلد آخر، وجسدت الفنانة مي القاضي دور هبة ببراعة، وعكست ما تتمتع به الشخصية من صلف وانتهازية وانكسار أيضا.

حفل المسلسل بكثير من التقاطعات. أطرافها: يحيى وطفلته ونيللي وهبة. ودخلت عليهم شخصيات متعددة، تقف في قلب أو على هامش العلاقة بين يحيى ونيللي. فوالد يحيى العمدة الوكيل وقام بدوره بخفة ظل الفنان إسماعيل فرغلي، يثق في ابنه ويريده أن يكمل قصته مع نيللي. ووالد نيللي الفنان الأرستقراطي وصاحب الاهتمامات السطحية وأدى دوره الفنان محسن محي الدين يظهر حنينا لابنته ليسعدها ويعوضها عن سنوات حرمان ابتعدت فيها عنه في أثناء اقامتها بدمشق مع أمها بعد انفصالها.

يضاف إلى هذه الشخصيات أصدقاء نيللي الذين يحيطونها باهتمام خاص، وكل له غرض من وراء هذا الاهتمام: آدم وقام بدوره الفنان أحمد الشامي يريد أن يستغل صداقته بوالدها ليتزوج منها، بينما كشفت صديقتها شريفة وقامت بدورها الفنانة نانسي صلاح عن شغفها الجارف بآدم وهو لا يلتفت إليها. وفؤاد الذي يعمل طيارا ويتردد على المقهى وقام بدوره الفنان كريم العمري، يسعى للزواج منها. وصاحب جيم ومتزوج يريد فرض حبه على نيللي بطريقة عنيفة. كل هؤلاء ينظر إليهم يحيى بطريقة غير مريحة، باستثناء شريفة التي قامت بدور حمامة سلام بينه وبين نيللي.

تشابكات فنية

تبدو الأمور واضحة فنيا، لكن ما زادها غموضا كثافة التشابكات بين الشخصيات، مدا وجزرا، صعودا وهبوطا، اتساعا وضيقا. وتبدأ كل حلقة بتفاهم بين يحيى ونيللي وتنتهي بخصام بينهما، بسبب التعامل الفطري وحسن نوايا نيللي مع من حولها، وسوء تقدير يحيى للمواقف التي ظهرت فيها نيللي كأنها على علاقة بشخص آخر، وهو ما استغلته طليقته لمنع أي تطور في العلاقة بينهما، حيث حداها أمل بالعودة إلى يحيى.

بيئة العمل التي دار حولها المسلسل هي قناة "المصري" ويعمل بها يحيى وشقيقته نغم وقامت بدورها الفنانة بسنت أبوباشا، وهند زوجته السابقة، والمعدين في القناة: كريم وقام بدوره عمر رياض، وهادي وقام بدوره حازم إيهاب، وشخصيات على يمين أو يسار، مع أو ضد، كل من يحيى وهند.

بالتوازي مع هذه البيئة، كانت "2 قهوة" محطة رئيسية حاضرة في معظم الأحداث والتفاعلات، للدرجة التي جذبت والد كل من يحيى ونيللي إليها. وتضاعفت مركزيتها مع ظهور عنصر مثير آخر، حيث اشترى المكان رجل أعمال يدعى سيف وقام بدوره الفنان إيهاب فهمي ويريد هدم المقهى وبناء فندق مكانه. الأمر الذي رفضته نيللي بقوة، ولجأت إلى يحيى لحل هذه المشكلة، واستطاع استغلال ثغرة قانونية تمنع هدم الأماكن التي تجاوز عمرها مئة عام، وأوقف عملية البيع والهدم ومنع شطب "2 قهوة" من عقل وقلب نيللي.

عناصر إثارة متكاملة

واصل المؤلف عمرو محمود ياسين سلسلة أعماله الدرامية الشيقة، التي يختار أفكارها بدقة من واقع الحياة، وتعتمد على جاذبية القصة وحداثة الفكرة والخلط بين شخصيات العمل لتخرج ضمن إطار فني متعدد الملامح الإنسانية.

أسهم الشق الإنساني في رواج أعمال عمرو، نجل الفنان المصري الراحل محمود ياسين والفنانة شهيرة، من دون توظيف فني لإسميهما. فقد استطاع عمرو خلال السنوات الماضية وضع نفسه في مقدمة مؤلفي الدراما المصرية.

استفاد مخرج العمل عصام نصار من الشكل الجمالي الواضح لـ"2 قهوة" والديكور اللافت المتشح باللون الأبيض وكثير من الورود المتناثرة لتقديم بانوراما فنية رائقة، جعلت من المكان بطلا، يتسلل بنعومة إلى وجدان الجمهور، كنوع من التعبير عن الطابع الرومانسي الذي يسبغ الكثير من مشاهد المسلسل، ويمتص بعض الصدمات العاطفية، في إشارة لأهمية الاختيار. فعندما يصبح المكان معدا بصورة جيدة يسهم في تحسين أداء الممثلين، ويعكس جودة التدقيق لزوايا معينة، خاصة مع وجود ركن في المقهى يحوي آلة "البيانو" وكانت نيللي تعزف عليها من وقت لآخر.

لعبت المباراة الجانبية بين والد كل من يحيى ونيللي دورا مهما في اضفاء طابع كوميدي، عزز التوجه الرومانسي في العمل الذي أصاب شريحة من الجمهور بالقلق، كي لا يتحول الثاني إلى عنصر منفر في نهاية المطاف بسبب كثرة الخلافات التي خيمت على العلاقات الإنسانية داخل "2 قهوة".

جسد الفنان الكبير محسن محي الدين دوره بطريقة هادئة وجديدة عليه، وكانت المواقف الكوميدية تخرج منه بلا تكلف. ولم يكن الفنان إسماعيل فرغلي أقل اتقانا للدور منه. ساعد اختلاف الطباع بينهما والميول والاهتمامات في الاستفادة من التناقضات الكامنة فيها بطريقة جيدة، بلا خلل في التوجهات الاجتماعية المتجذرة لدى كل منهما.

الفكرة الرئيسية التي يريد مسلسل "2 قهوة" تقديمها هي تقبل الآخر، بصرف النظر عن التباين في الأفكار والثقافات والبيئات، ولكل شخص حرية الاختيار طالما لا تؤثر تصرفاته سلبا على من سواه. وعلى الجميع التعايش، وعدم التدخل لإحداث تغيير قسري ينسجم مع ما يعتقدون فيه أنه صحيح. ولعل النهاية السعيدة للعلاقة بين يحيى ونيللي، وكلاهما جاء من بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة، تشير إلى ضرورة الانسجام، مع تقنين التصورات الفطرية. فالتلقائية المفرطة يمكن أن تقود صاحبها إلى مهلكة.