صراعات نفسية تهيمن على رمضان في 'وحوش 2'

المسلسل يحمل بصمة كويتية واضحة من النص إلى الأداء، مؤكدا أن الكويت قادرة على تقديم دراما معاصرة عالية الجودة للجمهور العربي.

الكويت – يشهد موسم دراما رمضان 2026 عودة قوية لمسلسل "وحوش 2"، الذي يمثل امتداداً للنجاح الكبير الذي حققه الجزء الأول، بعدما لفت الأنظار بطرح مختلف يجمع بين الإثارة النفسية والغوص في العوالم المظلمة للشخصيات، وكشف "الوحوش" الكامنة داخل النفس البشرية قبل أن تكون خارجها.
ويعد الجزء الثاني أكثر جرأة وتشويقاً، سواء على مستوى الأحداث أو البناء الدرامي، مع توسع واضح في الخطوط السردية وتعميق الصراعات.

ينطلق المسلسل من النقطة التي انتهى عندها الجزء الأول، حيث تركت الأحداث العديد من الأسئلة المفتوحة حول مصير الشخصيات، وحقيقة الجرائم التي هزت المجتمع داخل العمل. الجزء الجديد لا يكتفي بالإجابات، بل يفتح أبواباً أكثر تعقيداً، كاشفاً عن شبكات خفية من العلاقات، وعن شخصيات جديدة تحمل ماضياً غامضاً، لتتحول الحكاية من صراع فردي إلى مواجهة أوسع مع منظومة كاملة من الفساد والعنف والخداع.

تدور أحداث "وحوش 2" في إطار درامي مشوّق يجمع بين الجريمة والتحقيق النفسي والبعد الاجتماعي، حيث تتشابك قصص الأبطال في مسار تصاعدي تتداخل فيه المصالح الشخصية مع الرغبة في الانتقام أو النجاة. ويبرز العمل فكرة أن "الوحش" قد يكون قناعاً اجتماعياً، أو قراراً خاطئاً، أو صمتاً طويلاً على الظلم.

ويركز الجزء الثاني على تعميق البعد النفسي للشخصيات الرئيسية، التي تظهر وهي تعاني من آثار ما حدث في الجزء الأول. فبعضها يحاول الهروب من الماضي، فيما يجد آخرون أنفسهم مضطرين لمواجهته. وتظهر الحلقات الأولى كيف تتحول الصدمات إلى دافع للسلوك العنيف، أو إلى حالة من الانكسار الداخلي.

ويشهد الجزء الثاني دخول شخصيات جديدة تُضيف طبقات درامية مختلفة، وتلعب أدواراً محورية في تغيير مسار الأحداث، هذه الشخصيات لا تقدم كشر مطلق أو خير مطلق، بل ضمن مناطق رمادية، تضع المشاهد أمام تساؤلات أخلاقية حول المسؤولية، والذنب، والعدالة.

ويعتمد المسلسل على تصاعد تدريجي مدروس، حيث تبدأ الأحداث بهدوء نسبي قبل أن تتسارع مع توالي الحلقات، وانكشاف الأسرار تباعاً. وتبنى الحلقات على نهايات مفتوحة ومفاجآت درامية، تحافظ على عنصر التشويق، وتدفع المشاهد لمتابعة التطورات دون انقطاع. كما يستخدم العمل الفلاش باك بشكل أوسع للكشف عن خلفيات الشخصيات وربط الماضي بالحاضر، ما يمنح السرد بعداً نفسياً أعمق، ويفسر دوافع السلوك الإجرامي بعيدا عن التبسيط.

وأكد الكويتي عبدالله بوشهري أن الجزء الثاني من "وحوش" يمثل تحدياً أكبر على المستوى التمثيلي، قائلاً "العمل لا يعتمد فقط على الحدث، بل على الحالة النفسية، وكثير من المشاهد تتطلب تركيزاً عالياً في التعبير الداخلي، والصمت، ونقل الصراع دون حوار مباشر".

وأشار الممثل حسين المهدي إلى أن النص الجديد كشف أبعادا غير متوقعة في شخصيته، مضيفا، "الشخصيات ليست نمطية، بل متقلبة ومشحونة بالتناقضات، وهذا يجعل العمل اختباراً حقيقياً لكل ممثل".

وصرحت بطلة العمل، النجمة إلهام الفضالة، أن "وحوش 2" يمنح المرأة مساحة مختلفة عن الجزء الأول، حيث تظهر الشخصيات النسائية أكثر تأثيراً في مسار الأحداث، وأقرب إلى مركز القرار والصراع، بعيداً عن الأدوار الهامشية.

وأضافت "الشخصيات النسائية في هذا الجزء قوية ومعقدة، وتواجه اختبارات حقيقية تمس الوجدان وتفكر في خيارات صعبة، وهو ما يعكس واقع المرأة اليوم".

وأوضح مؤلف العمل محمد العتيبي أن فكرة المسلسل لا تقوم على الجريمة فقط، بل على تحليل السلوك الإنساني في لحظات الانكسار.

وقال، "الجزء الثاني جاء نتيجة تفاعل الجمهور مع الجزء الأول، ورغبتنا في الذهاب أبعد في طرح الأسئلة، وليس الاكتفاء بالإجابات السهلة". وأضاف، "ركزنا في النص على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الكارثة، مثل قرار متسرع، صمت طويل، أو خوف من المواجهة، لأن 'الوحش الحقيقي' قد يولد من هذه التفاصيل اليومية".

ويشهد العمل تطورا ملحوظا في اللغة البصرية، من حيث الإضاءة، وحركة الكاميرا، واختيار مواقع التصوير. وأكد المخرج فهد الشطي أن الجزء الثاني اعتمد على أجواء أكثر قتامة لتعكس الحالة النفسية للشخصيات، مع استخدام الظلال والفراغ كعناصر سردية بحد ذاتها. وأضاف "العمل تطلب تحضيرات طويلة، خاصة في مشاهد المواجهة والذروة، وحرصنا على تحقيق توازن بين الواقعية والبعد الفني، دون المبالغة".

وتلعب الموسيقى التصويرية دورا محوريا في تعزيز التوتر النفسي، حيث تم توظيف ألحان منخفضة الإيقاع ونغمات متكررة تواكب تطور الأحداث وتعمق الإحساس بالخطر، كما استعان العمل بتقنيات تصوير متقدمة، ومونتاج يعتمد على القطع السريع في مشاهد التوتر، مقابل لقطات طويلة في المشاهد النفسية.

ويقدم "وحوش 2" كعمل يراهن على وعي المشاهد وقدرته على قراءة ما بين السطور. فهو لا يقدم شخصيات مريحة ولا نهايات سهلة، بل يضع المتلقي أمام مرآة تعكس تعقيدات النفس البشرية، وتطرح أسئلة حول معنى العدالة وحدود الخير والشر.

مع اقتراب عرضه في رمضان 2026، يعد المسلسل واحدا من الأعمال المنتظرة، خاصة لدى جمهور الجزء الأول. ويعوّل صناع العمل على قوة النص، وتماسك الأداء، والرؤية الإخراجية، لتقديم تجربة درامية مختلفة تثبت أن الدراما الكويتية قادرة على خوض مناطق جديدة، ومنافسة الأعمال العالمية في طرحها الجريء والمعقّد.

يأتي "وحوش 2" ليؤكد أن النجاح الحقيقي لا يكمن في تكرار التجربة، بل في تطويرها والذهاب بها إلى مستويات أعمق، حيث تتحول الدراما إلى مساحة للتأمل والمواجهة، وكشف الوحوش التي نفضل تجاهلها.