رمضان عربي والدراما التركية خارج التوقيت

مع تطور الدراما العربية، يصبح الإصرار على متابعة المسلسلات التركية خلال شهر الصيام ظاهرة تستحق التوقف والنقاش الجاد.

القاهرة ـ مع اقتراب موسم دراما رمضان من كل عام، يتجدد الجدل في الأوساط الإعلامية والفنية حول طبيعة الأعمال التي يحتاجها المشاهد العربي في هذا الشهر الاستثنائي، ويبرز سؤال بات حاضرًا بقوة: هل يحتاج المشاهد فعلًا إلى مسلسلات تركية خلال رمضان، في وقت تعج فيه القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية بأعمال عربية جديدة ومتنوعة، صُنعت خصيصًا لهذا الموسم؟

سؤال يبدو مشروعا في ظل الزخم الإنتاجي العربي اللافت، والتطور الملحوظ الذي شهدته الدراما العربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الموضوعات المطروحة، أو في الإخراج، أو في آليات السرد الدرامي، التي باتت أكثر حداثة وجرأة، وأقرب إلى نبض الشارع العربي.

وتحوّل رمضان من موسم تقليدي إلى ساحة تنافس حقيقية بين عشرات الأعمال العربية، التي تتوزع بين الدراما الاجتماعية، والتاريخية، والكوميدية، وأعمال التشويق والإثارة، إلى جانب المسلسلات القصيرة ذات الطابع المكثف. وفي موسم واحد، يجد المشاهد نفسه أمام خريطة غنية من الإنتاجات المصرية، والخليجية، والسورية، واللبنانية، والمغاربية، ما يمنحه تنوعا واسعا يلبي أذواقا مختلفة وفئات عمرية متعددة.

الكوميديا وجبة مفضلة في رمضان
الكوميديا وجبة مفضلة في رمضان

وخلال السنوات الماضية، أثبتت الدراما العربية قدرتها على استعادة ثقة الجمهور، من خلال أعمال لاقت نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا، مثل "جعفر العمدة"، "الاختيار"، "تحت الوصاية"، "الهرشة السابعة"، و"رسالة الإمام" في مصر، إلى جانب أعمال خليجية مثل "سكة سفر"، "منهو ولدنا"، و"الناجية الوحيدة"، وأعمال شامية لافتة مثل "الزند"، "للموت"، و"النار بالنار".
هذه الأعمال لم تكتفِ بالترفيه، بل طرحت قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية بعمق وجرأة، وعكست تحولات المجتمع العربي وتحدياته الراهنة.

في المقابل، لا تزال المسلسلات التركية تحافظ على حضورها المستمر في الشاشات العربية، مستندة إلى قاعدة جماهيرية واسعة تشكلت على مدار أكثر من عقد، بفضل قصصها الرومانسية، وطول نفس السرد، والتركيز على العلاقات العاطفية المعقدة، إلى جانب الاهتمام بالتصوير والموسيقى. ومع اقتراب عام 2026، تترقب شريحة من الجمهور العربي عددًا من الأعمال التركية الجديدة، التي يُتوقع عرضها خارج الموسم الرمضاني، من بطولة نجوم أتراك يحظون بشعبية عربية كبيرة.

قضايا تمس المواطن
قضايا تمس المواطن

غير أن عرض هذه الأعمال خلال شهر رمضان يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمدى ملاءمتها لإيقاع الشهر، الذي يفضّل فيه المشاهد العربي، بحسب آراء نقدية متداولة، أعمالًا مكثفة وسريعة الإيقاع ومتعددة الموضوعات. فرمضان، بطبيعته، شهر اجتماعي بامتياز، تجتمع فيه العائلات حول مائدة الإفطار، وتبحث عن محتوى يمكن متابعته جماعيًا دون إطالة مفرطة أو تشعب درامي مرهق.
ويرى فريق من المشاهدين أن وجود المسلسلات التركية لا يزال مطلوبًا، ليس بوصفها بديلًا عن الدراما العربية، بل كخيار إضافي لمن يبحث عن نمط مختلف من السرد البصري. فالبعض ينجذب إلى الرومانسية العالية في الأعمال التركية أو إلى طبيعة الصورة السينمائية، معتبرين أن التنوع عنصر أساسي في أي خريطة عرض.

الجمهور الخليجي يفضل الدراما المحلية
الجمهور الخليجي يفضل الدراما المحلية

وتحدث عدد من النجوم العرب مؤخرًا عن ظاهرة متابعة المسلسلات التركية، رغم إقرارهم بأنها لا تعبّر بالضرورة عن الواقع العربي. وأشار بعضهم إلى أن هذه الأعمال تقدم عوالم جذابة بصريًا، لكنها تعكس سياقًا اجتماعيًا وثقافيًا مختلفًا، مؤكدين أن تعلق الجمهور بها يعود أحيانًا إلى الرغبة في الهروب من الواقع، أكثر من ارتباطه بالتعبير عن الهوية.ويترقب الجمهور العربي في رمضان 2026 مجموعة من الأعمال الدرامية العربية التي يُتوقع أن تشهد متابعة جماهيرية واسعة، في ظل عودة نجوم الصف الأول واستمرار الرهان على النصوص القوية والإنتاج الضخم.
 ففي مصر، تشير التوقعات إلى حضور لافت لمسلسلات جديدة، من بينها "كلهم بيحبوا مودي" بطولة ياسر جلال، الذي يراهن على الكوميديا الاجتماعية ذات البعد الإنساني، إلى جانب أعمال مرتقبة لنجوم مثل عمرو سعد، كريم عبد العزيز، ومنى زكي، إضافة إلى احتمالية عودة أجزاء جديدة من أعمال جماهيرية أثبتت نجاحها في مواسم سابقة.

كما يُنتظر أن تحظى المسلسلات الكوميدية بمتابعة كبيرة، خاصة الأعمال التي تسير على خطى نجاحات مثل "الكبير أوي" و"أشغال شقة".

طبق خفيف
طبق خفيف

أما الدراما الخليجية، فتدخل موسم رمضان المقبل بزخم واضح، مع أعمال يُتوقع أن تواصل نجاح نماذج مثل "سكة سفر" و"منهو ولدنا"، إلى جانب مسلسلات اجتماعية وتشويقية جديدة تراهن على جودة الإنتاج وتطور الكتابة. وفي الدراما الشامية، يترقب الجمهور أعمالًا تسير على خط نجاح مسلسلات مثل "الزند" و"النار بالنار"، إلى جانب استمرار حضور الدراما اللبنانية من خلال أعمال قصيرة الحلقات على غرار "للموت"، التي تعتمد على الطرح النفسي والإنساني المكثف.

وقد أسهمت المنصات الرقمية في إعادة تشكيل ذائقة المشاهد الرمضاني، من خلال تقديم مسلسلات قصيرة الحلقات عالية الجودة، تعتمد على التكثيف الدرامي، ما قلل من جاذبية الأعمال الطويلة ذات الإيقاع البطيء، وهي سمة ارتبطت تقليديًا بالدراما التركية.

المسلسلات المحلية تحظى بمتابعة كبيرة
المسلسلات المحلية تحظى بمتابعة كبيرة

لا يمكن إنكار أن للمسلسلات التركية جمهورها، وأنها تشكل جزءًا من المشهد التلفزيوني العربي منذ سنوات، لكن السؤال لم يعد: هل نحتاجها؟ بل: هل ما زالت قادرة على المنافسة داخل موسم رمضاني مزدحم بالدراما العربية المتطورة؟

رمضان اليوم هو موسم الهوية الدرامية العربية بامتياز؛ موسم تُختبر فيه قدرة الدراما المحلية على التعبير عن قضايا المجتمع ومخاطبة وجدانه، وتقديم محتوى يجمع بين المتعة والمعنى.

ومع هذا التنوع الغني في الإنتاجات العربية، قد لا يكون المشاهد في حاجة فعلية لمسلسلات تركية خلال شهر الصيام، بقدر حاجته إلى أعمال صادقة، متقنة، وقريبة من واقعه… أيا كان مصدرها، وأيًا كانت لغتها.