'قسمة العدل' معالجة مبتورة لخلاف أزلي بين الأب والأبناء
القاهرة- تجد الدراما المصرية في القضايا المجتمعية منبعا لا ينضب لمناقشة موضوعات مثيرة للجدل. وكثيرا ما يتطرق صناعها إلى ملفات جذابة. تتوقف درجة الإجادة فيها على قدرة كل عمل على تقديم معالجة فنية متوازنة. تمس جوهر المشكلات، ولا تعير اهتماما بهوامشها أو تستسهل في طريقة التناول. وتختار مسارا اجتماعيا آمنا، فالسياسة شبه محرمة حاليا.
يقلل اللجوء إلى هذا المجال من القيمة الحقيقية للعمل الدرامي، مهما كان عنوانه والأدبيات التي يلجأ إليها لتأكيد أنه عمل متقن ويحوي ابداعا. من المفترض أن يستمد أي عمل فني نجاحه مما يثيره من شغف لدى شريحة كبيرة من المشاهدين.
حاول المسلسل المصري "قسمة العدل"، المعروض حاليا على قناة "أون" مناقشة القضية الأزلية، وهي: توزيع الأب لثورته على الأبناء في حياته، من زاوية مراعاة ظروف ابنته المطلقة ومنحها نصيبا مساويا لأشقائها الذكور، على عكس ما يجري في بعض المناطق في مصر، حيث لا تحصل سيدات على نصيبهن الشرعي (للذكر مثل حظ الأنثيين)، ويتم النيل من هذا الحق، وتقزيمه بما لا يتناسب مع الشرع. فبعض الأسر تتجنب توريث الإناث من باب الحفاظ على الثروة في يد الرجال.
رؤية عكسية
مع أن القانون المصري لا يبيح ذلك، غير أن العرف والتقاليد أقوى منه عند التطبيق. وسعى "قسمة العدل" إلى تناول الجانب العكسي لهذه الرؤية، ومنح الأنثى مثل الذكر. وجرت مناقشة القضية باستفاضة، وتصاعد الجدل بين الأشقاء بين أحقية الأب في ذلك، وبين مدى تعارضه مع الدين الإسلامي. حاول كل طرف تفسير القسمة بما يتناسب مع مصلحته الشخصية. بينما حسمت دار الافتاء الأمر في حق الأب توزيع ما يملك في حياته بالطريقة التي يراها، ويخرج توزيع الثروة من باب الميراث.
نجح الفنان رشدي الشامي في أداء دور الأب (عبدالحيكم العدل) وكان من اسمه نصيب في عنوان المسلسل. وتمكن من توصيل رسالة العمل الظاهرة. لكن شابه بعض الافتعال في الدفاع عن ابنته المطلقة مريم، وقامت بدورها الفنانة إيمان العاصي. وتمادى الشامي في الجري وراء إنصافها بعد أن وقع عليها ظلم من زوجها بعد طلاقها منه، وقام بدوره الفنان محمد جمعة، الذي استخدم كل الحيل كي يجبرها على العودة إليه مرة أخرى، بدءا من مصادرة منزل الزوجية، وحتى إلغاء اشتراك النادي الرياضي لها وبنتيها، مرورا باستمالة أحد أشقائها لتخريب القسمة التي يراها والده عدلا. وانحصر هدف زوجها في تضييق الخناق عليها لتأتيه صاغرة.
تشابكات فنية
تشابكت خيوط المسلسل بسبب وجود فروق فردية إنسانية بين أشقاء مريم. الإبن الكبير (كرم) وقام بدوره الفنان خالد كامل، ويرى أنه هذه قسمة ظالمة وغير عادلة. لأنه يعمل مع والده في متجر لبيع الأقمشة منذ نعومة أظافره ويجب أن ينال نصيبا كبيرا، على خلاف شقيقه شوقي، وقام بدوره الفنان عابد عناني ويعمل في مطعم يملكه الزوج السابق لمريم، ويعتقد أن والده لم يغرقه بحنانه وعطفه ودعمه ماديا. وبدا رافضا لقسمة والده. والشقيق الأصغر (عماد) وقام بدوره الفنان خالد أنور كان متعاطفا مع شقيقته باندفاع، وموافقا على قسمة والده، ويراها عادلة.
اكتفى مخرج المسلسل أحمد خالد بأماكن محدودة للتصوير، متمثلة في منزل العائلة، ومطعم شوقي ومنزله. وبعض المشاهد التي تحاكي حي الحسين الشعبي في القاهرة. جميعها لم تكن غنية فنيا، أو تمنح العمل براحا مكانيا.
ربما يتحمل المؤلفان أمين جمال وشادي أسعد هذه المسألة، لأن القصة فرغت من تضمينها قماشة فنية أوسع. وحصر الأشخاص في عدد محدود يشارك في معظم التطورات. كما أن السيناريست إبراهيم ربيع لم يوفر ثيمة حوارية متماسكة. وافتقرت النقاشات التي دارت بين الأشقاء إلى العمق وتوضيح الهدف منها. ولجأ ربيع إلى إطالة الحلقات بحوارات ومشاهد فقيرة، حتى يصل العمل إلى 30 حلقة.
فخ المط والإطالة
وقع مسلسل "قسمة العدل" في فخ المط والإطالة بلا دواعي فنية. وجاء المضمون فاقدا للمعالجة الابداعية. فالقضية مهمة، بينما جاء التناول منقوصا، ومليئا بالحشو في المفردات والعبارات.
وجرى اختزال السياقات التي تتطلب مروحة ثقافية واجتماعية ودينية كبيرة في حوارات عقيمة ومبتورة. كأن يحاول الأخ الكبير إثبات عدم صواب قسمة والده، وترد عليه مريم بطريقة ساخرة، وأنها حصلت على فتوى تؤكد صواب القسمة عبر الواتساب. واستغرقت هذه الجدلية وقتا، في حين هي في الأصل محسومة سلفا، لأن ما قام به الأب ليس إرثا، ومن حقه التصرف فيه كيفما شاء.
لن يعدم أي مؤلف وضع يديه على قضايا مجتمعية مهمة في مصر. لكن الفكرة الرئيسية وطريقة تناولها وجودة الممثلين وقدرتهم على توصيل الرسالة للجمهور هي التي تحدد الطريق الذي يسير فيه العمل. هذه المكونات لم تكن متوافرة بشكل جيد في "قسمة العدل" فجعلته غير مكتمل الأركان، ومليء بالثغرات، وبه حوارات أقرب إلى "الرطان"، أي استخدام كلمات مكررة لا تضييف للحوار شيئا، ولا تجعل المضمون عميقا ودقيقا.
ويشعر المشاهد أن صناع العمل طلب منهم تقديم مسلسل يعرض قبل موسم رمضان. ولم يكن الاتقان حاضرا بالدرجة الأولى، لاعتقادهم أن هذه الفترة "ميتة فنيا" وتعرض فيها أعمال محدودة القيمة. وتلك التي لا تجد لها مكانا للعرض في رمضان.
أجهضت بعض الأعمال الفنية الناجحة، خارج موسم رمضان، مثل "أبوالعروسة"، "بينا ميعاد"، و"موضوع عائلي" الفرضية السابقة، وحقق كل منها انتشارا جماهيريا كبيرا، بعيدا عن موسم رمضان. وأكدت القناعة بأن العمل الجيد يسبق توقيت العرض. فكم من مسلسلات درامية أنتجت خصيصا لشهر رمضان، باعتباره ذروة المشاهدة، وأخفقت في جذب الجمهور إليها. بما يعني أن الجودة الفنية هي المعيار الذي يحدد نجاح أو فشل العمل، وليس توقيت العرض.
لم يضف مسلسل "قسمة العدل" جديدا للفنانة إيمان العاصي، ودورها نمطيا وفي إطار البنت الجميلة الدلوعة المرغوبة. وتخرج المرغوبة في هذا العمل من البعد الرومانسي وتصل إلى البعد العاطفي من قبل الأب. وسواء أكان ذلك يمثل ضعفا أم حنية مفرطة فهو يعبر عن جاذبية لشخصية (مريم)، التي جعلت زوجها السابق (شوقي) يسعى بكل السبل لإخضاعها لإرادته بعد انفصالها عنه بسبب زواجه من أخرى في السر، كنتيجة حتمية لإنهاء علاقة "توكسيك" (سامة) لم يكتب لها النجاح جراء الفروق الكبيرة بين مريم وشوقي.
استغرقت هذه السردية وقتا طويلا في المسلسل ليثبت صناعه عدم جدوى العودة. وأن الانفصال خيارا محسوما، وبداية لحياة جديدة تعيشها مريم، مليئة بالصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وتخوضها مضطرة لتأكيد أنها على حق في عدم العودة لزوجها. وجاءت تصرفات شوقي حافلة بالأنانية وشهوة الانتقام وتعمد الإذلال. وكلها من الوسائل التي تعبر عن سلوك مرضي لم يفارقه أثناء الزواج وبعد الطلاق.