النشر العربي: صعود الوعي القرائي في مواجهة اختناق الصناعة
تمثل حركة النشر في الوطن العربي خلال عامي 2022 و2023 مشهداً ثقافياً واقتصادياً بالغ التعقيد، يتداخل فيه الطموح المعرفي مع تحديات لوجستية واقتصادية قاسية. وتنطلق هذه الصورة المركبة من حقيقة جلية أشار إليها الأستاذ محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، تتمثل في صعود غير مسبوق في الوعي القرائي لدى الأجيال الجديدة، يقابله في الوقت ذاته اضطراب حاد في سلاسل الإمداد العالمية، أدى إلى ارتفاع فلكي في أسعار الورق وتكاليف الطباعة، وهو ما وضع الناشر العربي أمام معادلة شديدة الصعوبة، تفرض عليه الموازنة بين استمرارية الإنتاج والحفاظ على القدرة الشرائية للقارئ.
وفي سياق هذا التحول، يبرز التقرير الذي أعده د.خالد عزب ليؤكد أن صناعة النشر العربية تمر بمرحلة انتقالية كبرى، فبينما تحاول دور النشر الكبرى، مثل "جرير" و"العبيكان" و"نهضة مصر"، التكيف مع المتغيرات الراهنة عبر رقمنة المحتوى، وتطوير الحلول التعليمية، وبناء نماذج مؤسسية متكاملة، لا تزال الغالبية العظمى من دور النشر العربية تعاني من غياب البيانات الإحصائية الدقيقة، وضعف الحماية القانونية للملكية الفكرية. ويُظهر المشهد بوضوح أن الكتاب المترجم بات يتصدر اهتمامات القراء، مدفوعاً بجهود دور النشر الخاصة أكثر من المؤسسات الرسمية، مع تزايد ملحوظ في الإقبال على كتب الفلسفة وعلم النفس والسير الذاتية، مقابل تراجع نسبي في حضور الرواية وكتب التنمية البشرية التقليدية.
وعلى صعيد التوزيع، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما "فيسبوك" و"إنستغرام"، المحرك الأساسي لحركة المبيعات، حيث برز جيل جديد من المسوقين الشباب القادرين على توجيه ذائقة الجمهور، وهو ما عوض جزئياً غياب منافذ التوزيع التقليدية في بعض الأقاليم. كما كشف التقرير عن ظاهرة لافتة أُطلق عليها "فوضى المخطوطات"، حيث تتسابق دور النشر على إعادة تحقيق ونشر العناوين التراثية ذاتها، الأمر الذي يؤدي إلى تشتيت الجهود وإضعاف القيمة العلمية المضافة. ويخلص التقرير، في نهاية المطاف، إلى أن مستقبل النشر العربي مرهون بالقدرة على تحقيق تحول رقمي كامل، لا بوصفه بديلاً للكتاب الورقي فحسب، بل باعتباره بنية أساسية تتيح الوصول المعرفي الشامل، وتجاوز حدود الجغرافيا، مع التأكيد على ضرورة تكاتف الاتحادات المهنية لفرض معايير جودة صارمة تحفظ لهذه الصناعة هيبتها ودورها الحضاري.
وتُظهر "مؤشرات النمو والتحديات الهيكلية" في حركة النشر العربي خلال عامي 2022 و2023 حالة من المفارقة الواضحة بين تصاعد الوعي الثقافي من جهة، وعمق المعوقات الاقتصادية والمؤسسية من جهة أخرى. ويمكن التوسع في هذه المؤشرات، استناداً إلى التقرير، على النحو التالي:
أولاً: مؤشرات النمو – حراك قرائي وانفتاح رقمي
ـ صعود الوعي القرائي: يشير التقرير إلى صعود غير مسبوق في حركة النشر، باعتباره نتيجة طبيعية لزيادة الوعي والإقبال على القراءة لدى الأجيال الجديدة.
ـ نمو القراءة الرقمية: أدى الارتفاع الحاد في أسعار الورق إلى زيادة الإقبال على الكتب الرقمية كبديل عملي وضروري. ففي دول مثل الجزائر، سجلت معدلات القراءة عبر المنصات الرقمية المفتوحة زيادات سنوية متصاعدة، بلغت 32.5 في المئة خلال عام 2023.
ـ نجاح النماذج المؤسسية الكبرى: نجحت دور نشر مثل "جرير" و"العبيكان" و"نهضة مصر" في التحول إلى مؤسسات متكاملة تتجاوز نموذج "الناشر الفرد". وعلى سبيل المثال، حققت "جرير" أرقاماً قياسية من خلال ترجمة أكثر من 6953 كتاباً، وتوزيع ملايين النسخ.
ـ برامج التحفيز الوطنية: بدأت دول مثل السعودية والمغرب والأردن والجزائر في جني ثمار السياسات والبرامج الوطنية التي استهدفت تحفيز حركة النشر ودعم الصناعة الثقافية.
ثانياً: التحديات الهيكلية – أزمات الصناعة وقصور البيانات
- أزمة الورق والتضخم: يُعد الارتفاع غير المسبوق في أسعار الورق أحد أخطر التحديات التي تواجه صناعة النشر. ففي مصر، على سبيل المثال، قفز سعر طن الورق من 16 ألف جنيه في يناير/كانون الثاني 2022 إلى نحو 70 ألف جنيه، ما أجبر العديد من دور النشر على تقليص عدد النسخ المطبوعة للعنوان الواحد إلى ما بين 100 و200 نسخة فقط.
ـ غياب البيانات والتوثيق: تعاني الصناعة من صعوبة بالغة في حصر حركة النشر، نتيجة إحجام معظم المكتبات الوطنية عن إصدار الببليوغرافيا الوطنية بانتظام، إذ قد تمر سنوات دون إصدارها، وهو ما يخلق فجوة معلوماتية كبيرة.
ـ فقدان القيمة الحقوقية: يفتقر كثير من الناشرين العرب إلى القدرة على تقييم أصولهم الثقافية، إذ تُغلق دور النشر عند تصفيتها دون تقدير لقيمة العلامة التجارية أو حقوق الملكية الفكرية. كما تفتقد العديد من الدور إلى ببليوغرافيا متكاملة لإصداراتها، أو إلى عقود تحفظ حقوقها القانونية، وهو ما يعيق إعادة النشر أو بيع حقوق النشر للآخرين.
ـ تحدي المنافسة الدولية: يمثل التوغل البطيء لشركات النشر الدولية العملاقة تهديداً متزايداً لصناعة النشر المحلية، حيث بدأت هذه الشركات تستحوذ تدريجياً على موازنات التزويد في الجامعات العربية، في ظل تراجع دور الكتاب الجامعي الذي شكّل منذ سبعينيات القرن العشرين قاطرة رئيسية لحركة النشر العربية.
ـ الارتباط بمواد الإنتاج الخارجية: تكمن إحدى المشكلات الهيكلية في اعتماد صناعة الكتاب العربية، ورقياً ورقمياً، على مواد إنتاج مستوردة من خارج المنطقة، مما يجعلها عرضة لاختلال سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن، وتأثيرات النزاعات الدولية.
ـ فوضى النشر وتكرار الجهود: يتجلى "هدر الجهود" في قيام دور نشر متعددة بإعادة نشر وتحقيق المخطوطات التراثية ذاتها أكثر من مرة، في غياب التنسيق والتخطيط، وهو ما يعكس نقصاً في الابتكار وطرح موضوعات جديدة.
وفي هذا السياق، أصدر اتحاد الناشرين العرب دراسة شاملة عن حركة النشر في الوطن العربي خلال عامي 2022 و2023، كشفت عن ارتفاع عدد عناوين الكتب الصادرة لأول مرة إلى 93 ألف عنوان، وظهور دول مثل جيبوتي وجزر القمر للمرة الأولى على خريطة النشر العربي. وصرح الأستاذ محمد رشاد، رئيس الاتحاد، بأن العديد من المعطيات في فضاء النشر العربي تشير إلى صعود غير مسبوق في حركة النشر، نتيجة طبيعية لزيادة الوعي والإقبال على القراءة لدى الأجيال الجديدة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تقف في المقابل مجموعة من المؤشرات السلبية، يأتي في مقدمتها الارتفاع غير المسبوق في أسعار الورق، وهو ما أثر سلباً على الإقبال على الكتاب الورقي، وزاد من الاعتماد على الكتاب الرقمي. كما تشير الدراسة إلى أن أخطر ما يهدد صناعة النشر هو التوغل التدريجي لشركات النشر الدولية العملاقة، التي بدأت تستحوذ على موازنات التزويد في الجامعات العربية، متزامناً مع تراجع دور الكتاب الجامعي.
وفي هذا الإطار، خصصت الدراسة قسماً للكتاب الجامعي، كما فتحت باب النقاش حول ظاهرة نشر الموسوعات التراثية من المخطوطات المحققة ورقياً، وتعدد طبعات المخطوط الواحد أكثر من مرة، وهو ما يمثل هدراً واضحاً للجهود العلمية. ولهذا سعى اتحاد الناشرين العرب، بالتعاون مع معهد المخطوطات العربية، إلى إنشاء موقع خاص بالتراث العربي المخطوط، بهدف تفادي تكرار نشر المخطوطات المحققة، وبناء قاعدة بيانات للمحققين، وإتاحة بيانات المخطوطات غير المنشورة لتحفيز نشرها.
وأكد رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد أن الاتحاد فضّل أن تكون المناقشات النقدية الصريحة حول واقع النشر محوراً أساسياً لهذه الدراسة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المصارحة والنقد شرط أساسي لبناء رؤية مستقبلية، وأن التنبيه المبكر إلى التحديات، رغم صعوبتها، يتيح وضع خطط علاجية واستراتيجيات تعويض عما فات.
من جانبه، أوضح د.خالد عزب، معد الدراسة، أن حصر حركة النشر في الوطن العربي مهمة بالغة الصعوبة، ولولا تعاون الناشرين العرب لباتت شبه مستحيلة، خاصة في ظل إحجام المكتبات الوطنية عن إصدار الببليوغرافيا الوطنية بصورة سنوية. وأضاف أن بعض الدراسات الدولية، مثل دراسة الاتحاد الدولي للناشرين، تُظهر أحياناً تناقضاً مع الواقع العربي، حيث تقل تقديراتها لحركة النشر عن الأرقام الفعلية التي ترصدها دور النشر.
وتخلص الدراسة إلى أن إجراء مسح حقيقي لحركة النشر يفرض ضرورة معالجة مشكلة هيكلية جوهرية، تتمثل في تحول دور النشر إلى مؤسسات راسخة قادرة على الاستمرار وتوريث الخبرة لأجيال جديدة من الناشرين، عبر هيكلة عصرية تحفظ حقوقها، وتُعزز قيمتها الاقتصادية والثقافية. كما تُظهر الدراسة تطوراً إيجابياً في حركة النشر بدول مثل الجزائر والعراق، مع تطور ملحوظ في سلطنة عُمان، وتؤكد أن الدول التي اعتمدت سياسات وبرامج تحفيزية، مثل المغرب والسعودية، بدأت تجني ثمار هذه السياسات.
وأخيرا فإن هذه الدراسة تشكل مرجعاً إرشادياً مهماً لرصد حركة النشر العربي خلال عامي 2022 و2023، ودليلاً يمكن للباحثين والمهتمين البناء عليه لفهم واقع الصناعة واستشراف مستقبلها.