معادلة 'الصفر الإستراتيجي' الأميركية حيال طهران ولعبة حافة الهاوية
تستقر العلاقات الأميركية الإيرانية اليوم فوق صفيح جيوسياسي شديد السخونة، حيث بلغت لغة الصدام ذروة غير مسبوقة تبتعد كلياً عن أدبيات إدارة النزاع لتَلج مباشرة في أتون حسم الصراع، وبهذا فإن المشهد الراهن لم يعد مجرد اشتباك سياسي حول بنود تقنية، بل تحول إلى مواجهة بين إرادتين متناقضتين جذرياً؛ إدارة أميركية تسعى لفرض "معادلة الصفر الإستراتيجي" التي تجرد الخصم من كينونته القتالية ونفوذه العابر للحدود، وإرادة إيرانية تحاول التشبث بمكتسبات أربعة عقود من التمدد في الفراغات الإقليمية.
في هذا المنعطف الخطير، تأتي الشروط الأميركية التي تلوح بها إدارة ترامب كـ"مانيفستو" لإعادة هندسة المنطقة، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بتقليم الأظافر، بل انتقلت إلى ما يُمكن تسميته بمرحلة اقتلاع الجذور الإستراتيجية، واضعة طهران في قلب لعبة حافة الهاوية حيث لا مجال للخطأ، وحيث تصبح المقايضة المطروحة هي "البقاء البيولوجي للنظام" مقابل "التحلل من الهوية الإمبراطورية".
بهذا المعنى تدخل العلاقة الأميركية الإيرانية في طور المجابهة الوجودية التي تتجاوز مفاهيم التفاوض التقليدي أو إدارة الأزمات العابرة، لتستقر في منطقة تصفير الأوراق الإستراتيجية. إن الشروط التي طرحتها إدارة ترامب لا يمكن قراءتها كبنود تقنية لاتفاقية أمنية، بل هي في الحقيقة مشروع متكامل لنزع السلاح الجيوسياسي للجمهورية الإسلامية، تهدف من خلاله واشنطن إلى تحويل إيران من مشروع إقليمي طموح يمتلك أذرعاً ضاربة ومظلة ردع نووية، إلى دولة محصورة داخل حدودها الجغرافية، مجردة من فاعليتها الإستراتيجية.
عند النظر في الشروط الأميركية لا سيما وبحسب ما تتناقله الكثير من التقارير لجهة تسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب وتفكيك البرنامج النووي، نجد أن واشنطن تسعى لانتزاع ورقة الابتزاز العظمى، إن جاز التعبير، التي تملكها طهران، حيث أن تحييد القدرة النووية يعني بالضرورة إخراج إيران من نادي دول الحافة النووية، وهو ما يضعها في حالة انكشاف دفاعي أمام أي هجوم تقليدي واسع، حيث أن هذا المطلب يلتقي عضوياً مع شرط تفكيك الصواريخ الباليستية ووقف البرنامج الصاروخي، وهو المطلب الذي يمثل التفكيك الإستراتيجي للقوة العسكرية الإيرانية؛ ففي ظل غياب سلاح جوي حديث ومتطور، تمثل الصواريخ الباليستية الذراع الطويلة والوحيدة القادرة على خلق توازن رعب مع الخصوم الإقليميين والدوليين، وتجريد إيران منها يعني تحويل جيشها إلى قوة دفاعية محلية تفتقر لأي قدرة على الردع العابر للحدود.
أما المطلب المتعلق بإنهاء دعم الوكلاء في اليمن والعراق ولبنان، وخروج سوريا عملياً من المحور الإيراني، فهو يضرب في صميم العقيدة الأمنية الإيرانية القائمة على الدفاع المتقدم؛ بالنسبة لصانع القرار في طهران، فإن هؤلاء الحلفاء يمثلون العمق الحيوي الذي ينقل المعركة إلى ساحات الخصوم ويمنع وصولها إلى الداخل الإيراني، نتيجة لذلك فإن تفكيك هذا المحور لا يعني فقط خسارة نفوذ سياسي، بل يعني انهيار الجدار الدفاعي الأول لإيران، مما يترك النظام وجهاً لوجه أمام ضغوطات الداخل واستهدافات الخارج دون أي هوامش للمناورة الإقليمية.
هذا التصعيد الأميركي، بلهجته الصارمة وتهديده بالضربة العسكرية المحتملة، يضع القيادة الإيرانية أمام معضلة وجودية غير مسبوقة في تاريخها الحديث. فمن جهة، يمثل القبول بهذه الشروط انتحاراً سياسياً وتفكيكاً ذاتياً لهوية النظام التي قامت على المقاومة والتمدد، وهو ما قد يؤدي إلى تصدع الجبهة الداخلية وفقدان الشرعية أمام القواعد الأيديولوجية الصلبة، ومن جهة أخرى، فإن الرفض المطلق في ظل الاختلال الواضح في موازين القوى والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي للخصوم، قد يقود طهران نحو مواجهة عسكرية شاملة قد لا تتوقف عند تدمير المنشآت، بل يتوقع أن تمتد لتطال هيكلية الحكم واستمراريته.
وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية الإيرانية ليس كأداة للحل، بل كمناورة تحت النار لمحاولة تمييع هذه الشروط وتحويلها من إملاءات قسرية إلى عناصر تفاوضية ضمن صفقة كبرى تضمن بقاء النظام، إلا أن فلسفة ترامب القائمة على الدبلوماسية القسرية لا تبدو مستعدة لمنح طهران مساحات الالتفاف القديمة، فهو يسعى لفرض اتفاق نهائي ينهي الصراع بجولة واحدة، مستغلاً حالة الإنهاك التي تعيشها الأذرع الإقليمية الإيرانية والضغوط الاقتصادية الخانقة في الداخل الإيراني، وضمن هذا الإطار نحن أمام مشهد يبتعد فيه الطرفان عن المنطقة الرمادية، فإما أن تخضع طهران لعملية إعادة صياغة بنيوية تقبل فيها بدور الدولة الطبيعية منزوعة المخالب، أو أن تتجه المنطقة نحو الانفجار الكبير الذي سيعيد رسم خارطة القوى في الشرق الأوسط بالحديد والنار، حيث لم تعد أنصاف الحلول قادرة على جسر الهوة بين رغبة واشنطن في تصفية الحساب وإصرار طهران على البقاء الاستراتيجي.
تأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن المرحلة القادمة ليست مجرد اختبار لصلابة المفاوض الإيراني أو لمدى جدية التهديد الأميركي، بل هي لحظة الحقيقة الكبرى التي ستحدد شكل الشرق الأوسط للعقود القادمة. إن الشروط الأميركية بتكاملها الصارم، تسعى لغلق القوس على التجربة الإيرانية بصيغتها الثورية الحالية؛ فانتزاع اليورانيوم وتفكيك الصواريخ وقطع أوتار الأذرع الإقليمية هي عمليات جراحية جيوسياسية لا تترك للنظام الإيراني مجالاً للتنفس خارج رئته الداخلية، وبالمقابل، فإن طهران التي أدمنت اللعب في المناطق الرمادية واحتراف سياسة حافة الهاوية، تجد نفسها اليوم وقد انتهت المساحات الفاصلة بين الحافة والسقوط؛ إذ تآكلت استراتيجية الصبر التي اعتمدتها لسنوات بفعل ضربات تكنولوجية واستخباراتية قاسية، وباتت الخيارات المتاحة محصورة بين "تجرع سم" التنازل البنيوي الشامل الذي ينهي مشروع تصدير الثورة، وبين المضي قدماً نحو صدام عسكري مباشر قد يكون مكلفاً للجميع، ولكنه سيكون كارثياً وحاسماً على بنية السلطة في طهران.
في نهاية المطاف، إن معادلة الصفر الاستراتيجي التي تفرضها واشنطن لا تقبل القسمة على اثنين، وما سيحدد المسار القادم هو قدرة إيران على ابتكار تراجع تكتيكي يُغلف بانتصار وهمي، أو قناعتها بأن المواجهة الشاملة هي الخيار الوحيد للحفاظ على الكرامة السياسية، وهو ما يعني أن المنطقة بانتظار الانفجار الكبير أو الانحناءة التاريخية التي ستغير وجه الصراع وقواعد القوة إلى الأبد.