كيف التقيتُ بابلو نيرودا في شارع باوليستا

الكاتب يسرد تجربة لقائه الروحي مع الشاعر الحائز على نوبل عبر اقتناء كتابين من كشك في شارع باوليستا بالبرازيل، معتبراً إياهما مشروعاً متكاملاً يجمع بين طمأنينة الإبحار وقلق الأسئلة الوجودية.

في أحد صباحات شارع باوليستا في ساو باولو بالبرازيل ، حيث تلتهم الأبراج الزجاجية القزحية صخب المارة ونبض المدينة المتسارع، وجدتني أقف أمام كشك صغير قرب صرح متحف الفنون ، يشبه كثيرا جزيرة هادئة وسط محيط إسمنتي متلاطم ، لا يهدأ. هناك، بين مجلات وصحف يومية وروايات مستعملة وكتب شعر ملتحفة بالبلاستيك الشفاف ، لمحت اسمًا أعرفه كما نعرف صوتا قديما في الذاكرة: بابلو نيرودا.

لم يكن الأمر مخططًا له من قبل هبوط طائرتي المغربية . كما لم أكن أبحث عن نيرودا، لكنه هو من عانقني. كتابان متجاوران، كأنهما يتبادلان نظرة صامتة :

A Barcarola وLivro das Perguntas  الأول يحمل على غلافه منارة وبحرًا ومسارًا مفتوحًا، والثاني لوحة سريالية يلفها سؤال معلّق في الهواء. اقتنيتهما على الفور دون تردد، كمن يلتقط رسالتين وُضعتا عمدًا في طريقه.

كان لشراء هذين الكتابين من كشك باوليستا معنى يتجاوز فعل الاقتناء نفسه. هنا، في قلب واحدة من أعقد عواصم العالم وأكثرها تناقضًات، أشتري شعرًا كُتب في أقصى جنوب الأرض، بلغة أخرى، وبذاكرة سياسية وإنسانية مثخنة بالجراح . شعرت أنني لا أشتري كتابين، بل أعقد مصالحة مؤقتة بين الجغرافيا والروح: سانتياغو، فالبارايسو، تشيلي… تمر جميعها عبر هذا الرصيف البرازيلي.

وضعت الكتابين في حقيبتي الظهرية، ومشيت. كنت أسمع ضجيج السيارات، وأفكر في شاعر جعل من الكلمات قوارب، ومن الأسئلة بيوتًا للسكن المؤقت. منذ تلك اللحظة، صار لكل كتاب منهما مساره الخاص في القراءة والتأمل.

يعد كتاب A Barcarola الباركارولا (أغنية القارب) من الأعمال المتأخرة في تجربة نيرودا، وهو كتاب يدون فيه الشاعر وهو أقرب إلى الحكيم المتأمل منه إلى الثائر الصاخب. العنوان نفسه يحيل إلى الأغنية البحرية البطيئة، إلى الإيقاع الذي يتقدم على الماء دون استعجال، وهذا الإيقاع ينعكس بوضوح في بنية النصوص.

في هذا الكتاب، لا يصرخ نيرودا، بل يهمس إلينا فقط . الحب حاضر، لكن ليس كعاصفة، بل كمدٍّ هادئ. الزمن ليس خصمًا، بل رفيق طريق. القصائد تتحرك بين الذكرى والحاضر، بين الجسد والبحر، بين المرأة والقصيدة، وكأن الشاعر يعيد ترتيب العالم وفق إيقاعه الداخلي الخاص.

على المستوى النقدي، يمكن القول إن" الباركارولا" يمثل لحظة تصالح نيرودا مع هشاشته الإنسانية. فاللغة أقل اندفاعًا، والصور أقل كثافة، لكنها أكثر صفاء. هنا نيرودا الذي خبر السياسة والمنفى والحب والخسارة، يكتب الآن من شرفة التجربة، لا من خندق الصراع.

ما يميز هذا الكتاب هو قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى استعارات كبرى: نظرة، موجة، ليل، اسم. القصيدة لا تبحث عن الدهشة بقدر ما تسعى إلى الطمأنينة. وهو ما يجعل "الباركارولا" كتابًا يُقرأ ببطء، ويُعاد إليه، كأنك تعود إلى بحر تعرفه جيدًا، لكنك لا تملّ من مراقبة تغيراته الدقيقة.

على النقيض من ذلك ظاهريا، يأتي كتاب Livro das Perguntas (كتاب الأسئلة ) ككتاب بلا أجوبة. هنا لا يقدّم نيرودا خلاصة، بل يفتح أبوابًا. الكتاب مهيكل بالكامل تقريبًا على أسئلة شعرية، تبدو أحيانًا طفولية، وأحيانًا فلسفية، وأحيانًا عبثية حدّ الإرباك.

لكن هذه الأسئلة ليست ساذجة. إنها أسئلة وجودية متنكرة في هيئة لعب لغوي. حين يسأل نيرودا: من يعلّم السماء الزرقة؟ أو أين تذهب الأشياء حين ننساها؟ فهو لا ينتظر جوابًا، بل يدرّب القارئ على الشك، على إعادة النظر في البديهي.

نقديًا، يُعد هذا الكتاب من أكثر أعمال نيرودا تجريبًا وجرأة. إنه يخلخل العلاقة التقليدية بين الشاعر والقارئ؛ فالشاعر لا يتكلم من موقع العارف، بل من موقع المتسائل الدائم. وهذا ما يمنح النص طاقة ديمقراطية نادرة: كل قارئ يشارك في بناء المعنى.

كما أن (كتاب الأسئلة ) يكشف عن وجه آخر لنيرودا: الطفل الفيلسوف، الذي لم تفقده الجوائز ولا السياسة ولا الشهرة دهشة السؤال الأولى. لغته هنا مقتصدة، لكنها مشحونة. كل سؤال قصيدة مكثفة، وكل قصيدة باب مفتوح على تأويلات لا تنتهي.

حين أضع الكتابين جنبًا إلى جنب في مكتبتي الشحيحة ، أكتشف أن نيرودا يقدّم عبرهما مشروعًا متكاملًا للحياة: في الباركارولا نتعلم كيف نبحر، وفي كتاب الأسئلة نتعلم لماذا نبحر أصلًا. الأول يمنحنا الإيقاع، والثاني يمنحنا القلق الخلّاق.

أن أشتري هذين الكتابين من كشك صغير في شارع باوليستا لم يكن صدفة. كان تذكيرًا بأن الشعر لا يسكن المكتبات الكبرى فقط، بل يعيش على الأرصفة، في الحقائب، وفي لحظات التوقف العابرة. وأن بابلو نيرودا، رغم المسافات واللغات، ما زال قادرًا على أن يضع قارئًا مثلي أمام مرآتين: واحدة تطمئنه، وأخرى تسأله بلا رحمة.

وهذا هو جوهر الأدب العظيم.