اليونسكو تختار الشارقة أول مدينة عربية لتطبيق أداة تقييم الطفولة المبكرة
الشارقة (الامارات) - جاء اختيار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لإمارة الشارقة كأول مدينة عربية للمشاركة في المرحلة التجريبية لتطبيق أداة التقييم الذاتي الدولية لأنظمة الطفولة المبكرة، ليعكس ثقة دولية متنامية في التجربة التعليمية للإمارة، ويؤكد قدرتها على المساهمة في تطوير نماذج قابلة للتطبيق إقليمياً ودولياً في هذا القطاع الحيوي، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز بعدها المحلي.
وهذا الاختيار لا يمكن قراءته بمعزل عن المسار الطويل الذي انتهجته الشارقة في بناء منظومة متكاملة لرعاية وتعليم الطفولة المبكرة، تقوم على رؤية واضحة تعتبر السنوات الأولى من عمر الطفل حجر الأساس لأي تحول تعليمي مستدام. وقد نجحت الإمارة خلال السنوات الماضية في تطوير سياسات داعمة وتعزيز الحوكمة المؤسسية والارتقاء بجودة الخدمات التعليمية والرعائية، مع ضمان التنسيق الفعّال بين الجهات المعنية، وهو ما جعل تجربتها محط اهتمام المؤسسات الدولية.
وتأتي مشاركة الشارقة في تطبيق أداة التقييم الذاتي الدولية لأنظمة الطفولة المبكرة، المعروفة باسم ECCE-PATTبوصفها محطة تقييم ومراجعة شاملة، تهدف إلى إعداد ملف متكامل يوثق واقع الطفولة المبكرة في الإمارة. ويشمل ذلك رصد الإنجازات وتحليل الممارسات الرائدة وجمع الأدلة وتحديد الفجوات القائمة، بما يتيح الانتقال من مرحلة التطوير التراكمي إلى التخطيط الاستراتيجي القائم على البيانات والمعايير الدولية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة أيضاً في كونها تجربة ريادية عربية، تفتح الباب أمام مدن ودول أخرى في المنطقة للاستفادة من الأداة نفسها والاسترشاد بتجربة الشارقة في مواءمة المعايير الدولية مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، فالطفولة المبكرة لم تعد شأنا تربويا ضيقا، بل أصبحت محورا رئيسيا في سياسات التنمية البشرية، لما لها من أثر مباشر في الجاهزية المدرسية، وبناء مهارات التعلم، وترسيخ مبدأ التعلم مدى الحياة.
وتعكس هذه المشاركة التجريبية توجها واضحا نحو ترسيخ ثقافة التقييم الذاتي والمساءلة الإيجابية، حيث لا يقتصر الهدف على إبراز نقاط القوة، بل يمتد إلى تشخيص التحديات والعمل على معالجتها من خلال خطط تطويرية واقعية. كما تتيح الأداة بناء قاعدة معرفية قائمة على الأدلة، تسهم في دفع إصلاحات شاملة على مستوى السياسات والمناهج ونظم الرعاية والتعليم.
كما تبرز أهمية الجلسة الحوارية رفيعة المستوى التي تنظمها هيئة الشارقة للتعليم الخاص وأكاديمية الشارقة للتعليم بالتعاون مع اليونسكو، عشية انعقاد قمة الشارقة الدولية لتطوير التعليم 2026، إذ تشكل هذه الجلسة منصة لتبادل الخبرات بين صناع السياسات والخبراء من الإمارات والمنطقة العربية، ومناقشة المخرجات الأولية لتجربة الشارقة، وصياغة توصيات عملية قابلة للتطبيق.
ولا يعتبر اختيار اليونسكو للشارقة مجرد اعتراف بإنجازات سابقة، بل هو استثمار في تجربة ناضجة قادرة على الإسهام في صياغة مستقبل الطفولة المبكرة عربيا وهو اختيار يعكس قناعة دولية بأن بناء الإنسان يبدأ من سنواته الأولى، وأن المدن التي تضع الطفل في قلب سياساتها، تضع في الوقت ذاته أسس تنمية مستدامة طويلة المدى.